الصفحة 225 من 342

ثم أردف هابيل جوابه هذا بتعبير على سبيل الشرط فيه من (( التهذيب والتأديب ) ) [1] والاستسلام [2] ما فيه. محاولا فيه كسر شدة الشر الهائج في نفس أخيه [3] وذلك حين قال له: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} . وهو تعبير فرق بين الشرط والجزاء من جهة الفعلية والاسمية، فقال في الشرط {بَسَطتَ} وفي الجزاء {مَا أَنَا بِبَاسِطٍ} ، ولم يسو بينهما، ولم يقل: لئن بسطت لا أبسط [4] ، (( ليفيد انه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ) ) [5] .

ويلحظ أن في صدر هذا التعبير تقديمًا؛ إذ إن من (( حسن الترتيب في الجمل الفعلية تقديم الفعل، وتعقيبه بالفاعل، ثم الإتيان بالمفعول، فان كان في الكلام مفعولان أحدهما تعذّر وصول الفعل بنفسه إليه، والأخر تعدّى إليه بنفسه، قدّم ما تعدى إليه الفعل بنفسه ) ) [6] . وهو ما لوحظ في آخر هذا التعبير دون صدره. وقد قيل: إن ذلك الترتيب في صدر التعبير وقع لسبب صوتي، هو (( مخافة أن تتوالى ثلاثة أحرف متقاربات المخارج، فيثقل الكلام بسبب ذلك، فانه لو جاء الكلام فيه مرتبا لقيل: لئن بسطت يدك إليّ. والطاء والتاء والياء متقاربات المخارج، فلذلك حسن تقديم المفعول الذي تعدى الفعل إليه بالحرف، على المفعول الذي تعدى إليه بنفسه. ولما أمن هذا المحذور في عجز الآية بما اقتضته البلاغة من الإتيان باسم المفعول موضع الجملة الفعلية لتضمنه معنى الفعل الذي تصح به المقابلة جاء الكلام على ترتيبه من تقديم المفعول الذي تعدى إليه بنفسه على المفعول الذي تعداه إليه بالحرف وهذا من احسن شواهد الترتيب والتهذيب ) ) [7] . وفيه وهمٌ، لأنَّ الطاءَ والتاء مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا، وهما نطعيتان. أما الياء فحرف جوفي هوائي من حيز الجوفِ، فالياء إلى الجيم أقرب لا إلى الطاءِ والتاء.

وعلل هابيل عدم بسط يده في قتل أخيه، بالخوف من الله تعالى، فقال: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} .

وأردف تعبيره هذا بتعبير فيه لأخيه الحاقد الحاسد إنذار وتحذير [8] وتعليل آخر وكأنه يتدرج في بسط جوابه من الاستسلام والتهذيب إلى الإنذار والتحذير، فقال: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} وهذه علة أخرى لامتناع البسط، لذا ورد هذا التعبير منفصلا عن

(1) تحرير التحبير 3/ 401.

(2) الجامع لاحكام القرآن 6/ 136.

(3) في ظلال القرآن 2/ 876.

(4) الكشاف 1/ 607، ومعاني الأبنية في العربية / 13.

(5) الكشاف 1/ 607 - 608.

(6) تحرير التحبير 3/ 405.

(7) نفسه 3/ 405 - 406.

(8) في ظلال القرآن 2/ 876.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت