سابقه؛ لأنه لما (( كان كل منهما علّة مستقلة لم يعطف أحدهما على الآخر إيذانًا الاستقلال ودفعا لتوهم أن يكون جزء علّة لا علّة تامة ) ) [1] .
وقوله {تَبوأَ} من (البَوْءِ) ، وهو الرجوع [2] ، والانصراف [3] {بِإِثْمِي} وهو قتلك إياي {وَإِثْمِكَ} أي المعصية التي من اجلها لم يتقبل قربانك [4] ، أو تتقلب [5] بإثمي وإثمك.
والمعنى الأخير فيما يبدو هو الأرجح، لأن أصل البوء هو اللزوم [6] ، فكأن الإثمين ملازمان لصاحبهما وهما يتقلبان معه حيثما اتجه، وفي ذلك تمثيل وتجسيم للذنب. وهو من رائع بلاغة القرآن.
وقوله {أريد} يحتمل أمرين: أحدهما: أن يجري على ظاهره من غير إضمار حرف النفي (لا) ، والآخر: بإضمار هذا الحرف، أي: أريد أن لا تبوء بإثمي وأثمك [7] . والأول هو الوجه، لأنه الظاهر، ولا موجب للعدول عنه، بلا ضرورة، كما هو مقرر في أصول التفسير.
ومن هذا النوع قوله عظم شأنه مصورًا ما دار من حوار بين المؤمن الفقير الصابر، والكافر الغني صاحب الجنتين، حين دخلا جنتيه. وكان الغني متعاليًا ومغترًا ومتبجحًا [8] : {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَاذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا لَاكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} [9] .
فيلحظ أن جواب المؤمن الفقير قد ورد (( بفعل القول بدون عطف؛ للدلالة على أنه واقع موقع المحاورة والمجاوبة ) ) [10] ، وهو وعظ [11] للكافر ورد بأسلوب الاستفهام الإنكاري
(1) روح المعاني 6/ 113.
(2) سؤالات نافع بن الأزرق / 55.
(3) نزهة القلوب / 50، ومسائل الرازي وأجوبتها /69، ومعترك الأقران 2/ 8.
(4) آمالي المرتضى 2/ 47، ونزهة القلوب / 50، ومعترك الأقران 2/ 8.
(5) تفسير غريب القرآن لأبن قتيبة / 142.
(6) روح المعاني 6/ 113.
(7) مسائل الرازي وأجوبتها / 69. وينظر آمالي المرتضى 2/ 48.
(8) الجدل في القرآن حسن الشرقاوي/ 60.
(9) سورة الكهف /34 - 41.
(10) التحرير والتنوير 15/ 321.
(11) الجامع لأحكام القرآن 10/ 404.