، إذ هو لا يستفهم عن شئ أبدًا، لأنه سبحانه العالم بكل شئ، ما كان، وما هو كائن وما سيكون.
إن ما مرَّ ذكرُهُ كان حوارًا بين عقلاء وإن اختلفت مراتبهُم أو تساوت. غير أن هناك حوارًا دار بين عاقل وهو النبي سليمان عليه السلام، وغير عاقل وهو الهدهد. في جوابه لتوعد سليمان عليه السلام له بالعذاب الشديد أو الذبح، {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِينِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيم} [1] . وهو حوار وارد على سبيل الحقيقة لأن الله عظم شأنه (( سخّر له الطير، وأفهمه معاني أصواتها على سبيل المعجزة له ) ) [2] عليه السلام. ويلحظ أن جواب الهدهد لسليمان عليه السلام صدر بالقول: {فقال} ، وأنه ورد فيه ترديد صوتي في بعض عبارات جوابه، وهي (أحطت، تحط) و (سبأ، بنبأ) .
وقد عد الطيبي [3] قوله: {مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ} من الجناس المزدوج الذي يسمى مردودًا، وهو أن يقع في أثناء القرائن لفظان متجانسان.
وهذا التجانس أو ما سماه النحاة بالتناسب هو الذي جعل {سَبَإٍ} الممنوع من الصرف مصروفا [4] .
ويلحظ أن (كلّ) في قوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} ورد بمعنى (بعض) ، وهو من التضاد هنا [5] . وأن الهدهد وصف عرشها بالعظيم، للدلالة على قوة الملك [6] الذي كانت تزخر به.
(1) سورة النمل /20 - 23.
(2) آمالي المرتضى 2/ 353.
(3) التبيان في البيان /407.
(4) في النحو العربي نقد وبناء / 186.
(5) تأويل مشكل القرآن / 145 - 146.
(6) دراسة نصية أدبية في القصة القرآنية /147.