الصفحة 229 من 342

ومن هذا النوع من الجوابات الحوارية قوله تعالى على لسان فرعون الذي ورد جوابه تهديدًا ووعيدًا، وهو جواب لتحريض [1] ، حين {َقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [2] .

ونحو هذا قوله تعالى مصوّرا الحوار الذي دار بين عزيز مصر والنسوة اللاتي التقين يوسف عليه السلام في بيت امرأة العزيز إذ ذاك. فقد {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتْ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْئَانَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ} [3] .فقد أجابت النسوة بالتنزيه والتبرىء ليوسف عليه السلام عن المراودة؛ إذ إن كلمة {حاش} في جوابهن كلمة إعظام [4] وتنزيه وتبرئة [5] ، وقد أفادت هنا التعجب والدهشة [6] .

وقد قيل: إن اصلها من الحَشَا، وهي الناحية، تقول كنت في حاشية فلان، أي: في ناحيته. فقولك حاشا لزيد من هذا، أي تباعد من هذا [7] فاعترفن ببراءة يوسف عليه السلام واعترفت التي راودته عن نفسه حقيقة بقولها: {الْئَانَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ} . و {حصحص} يعني: ظهر وتبين واتضح [8] .

لقد اعترفت تلك المرأة بعد كيدها بسنين بمراودتها إياه، وأكدت صدق ما قاله وبراءته بأداتي التوكيد إنّ، واللام، وبالاسم الدال على الثبوت دون الفعل، حين قالت {وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ} .

على أن أهم ما يلحظ في جوابات الحوار، هو أن الجملة في هذا اللون من الجواب، كثيرا ما تعتمد أسلوب التكرار، لتوكيد ما يراد توصيله من قصد في نفس المحاور إلى المتلقي.

وإن جوابات الحوار ترد جوابًا لخبر أو سؤال، واكثر ما يرد الخبر مؤكدًا. أما السؤال فكثيرا ما يرد بأسلوب المجاز لا الحقيقة؛ إذ في المجاز قدرة كبيرة على التأثير في نفس المتلقي، ومن ثم على إحداث استجابته وهي غاية الحوار القرآني، فضلا عن أن عددًا من آيات السؤال، وردت من الباري عظم شأنه على سبيل التقرير أو غيره من المقاصد البلاغية

(1) مجمع البيان 4/ 464.

(2) سورة الأعراف/ 127.

(3) سورة يوسف /51.

(4) معاني القرآن للفراء 2/ 42.

(5) مجمع البيان 5/ 240.

(6) روائع الإعجاز في القصص القرآني /198.

(7) الصاحبي / 224، والإتقان 1/ 161، وروائع الإعجاز في القصص القرآني / 198.

(8) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة/218، ومجمع البيان 5/ 240، ومعترك الأقران 2/ 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت