الحوارُ فِي عَالَمِ الغَيْبِ
بعد الوقوف عند جوابات الحوار في عالم الشهادة، وبيان الأطراف المتحاورة من جهة الرتب، وخصائص أسلوب كل طرف منها، لابد من الوقوف في هذا الموضع عند جوابات الحوار التي دارت في عالم الغيب، والتي هي كثيرا ما تختلف عن سابقتها.
ويمكن تقسيم هذا اللون من الحوار على قسمين:
أولا: حوار العقلاء، ويشمل:
(1) حوار الباري سبحانه.
وهو أنواع هي:
أ-حوار الباري الملائكة:
ويقوم على محاورة الباري سبحانه لملائكته، الذين هم خير خلقه.
فمن ذلك ما دار من حوار بينه سبحانه وبين الملائكة، حين أراد خلق آدم عليه السلام خليفة في الأرض؛ فقال مخبرًا عن ذلك: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [1] .
فقد ورد جواب الملائكة لخبر الباري الملقى عليهم، بأسلوب استفهامي على جهة الاستعلام [2] والاسترشاد [3] واستكشاف الحكمة [4] . لا على وجه الإنكار، لأنهم يعلمون أنه سبحانه لا يعمل إلا ما هو حق.
وهو جواب ورد على جهة التقابل؛ إذ قابل حالين بحالين. فالإفساد وسفك الدماء، قوبلا بالتسبيح بحمد الله أو التقديس له [5] .
والتقديس في اللغة يعني: التطهير، فقيل: (( حضيرة القدس ... هي الجنة؛ لأنها موضع الطهارة من الأدناس التي تكون في الدنيا ) ) [6] . فالتقابل وقع بين ما هو أرضي
(1) سورة البقرة /30.
(2) معاني القرآن للأخفش 1/ 219، ومجمع البيان 1/ 74، وروائع الإعجاز في القصص القرآني /316.
(3) الصاحبي / 182.
(4) أنوار التنزيل / 24، ومواهب الرحمن في تفسير القرآن 1/ 135.
(5) البرهان في علوم القرآن 3/ 460، وأنوار التنزيل /24.
(6) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة / 9.