الصفحة 233 من 342

وسماوي، إذ الإفساد وسفك الدماء أرضيان، والتسبيح والتقديس سماويان [1] . وهو تقابل بالضد والنقيض.

ويلحظ في جواب الملائكة أنهم قالوا {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} ، وهو في (( موضع الحال، أي نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك ) ) [2] .

وفي هذا التلبس مبالغة في كونهم أحق بالاستخلاف من غيرهم، ممن لا يبلغ ما هم عليه من التقديس والتسبيح.

ويجيب الباري سبحانه عمّا قالوه؛ منبّها [3] لهم على ما اعتقدوه من اختصاص ذلك الأمر بهم دون غيرهم، فقال سبحانه حاسمًا ذلك بالخبر المؤكّد: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [4] وفي هذا الجواب عموم وإبهام، تمهيدًا لما يأتي بعده من بيانه، إذ يتلوه ما يكشف سرًا من أسرار خلقه هذا المخلوق الأرضي وهو تعليمه {الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} . وقد أعقب هذا البيان سؤال من صاحب الجواب، وهو سؤال أوجبه ذلك الجواب المبهم العام، إذ طلب سبحانه من الملائكة بيان ما هي المسميات بعد عرضها عليهم؛ على سبيل التبكيت وإظهار عجزهم [5] عن ذلك بقوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [6] .

وتجيب الملائكة بالاعتراف بالعجز والإقرار بمحدودية علمهم، مصدّرين كلامهم بالتسبيح والتنزيه تعظيمًا [7] له تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا} [8] .

وهو جواب إخبار [9] منهم عن أنفسهم، غرضه الاعتراف بالعجز على أبلغ وجه [10] .

وقولهم {سبحانك} مصدر لا يكاد يستعمل إلاّ مضافًا، وهو منصوب باضمار فعله. وقد صدّر الجواب به لأجل الاعتذار عن استفسارهم وجهلهم بحقيقة الحال [11] .

ثم ذيّلوا جوابهم بقولهم: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [12] ، الذي ورد بتقديم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة؛ لمناسبة ما تقدم من قوله عز وجل: {أَنْبِئُونِي} ، وقولهم: لا

(1) البرهان في علوم القرآن3/ 460.

(2) الكشاف 1/ 271، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل 1/ 42، وينظر انوار التنزيل / 24.

(3) أمالي المرتضى 2/ 69.

(4) سورة البقرة / 30.

(5) الكشاف 1/ 272.

(6) سورة البقرة /31.

(7) مجمع البيان 1/ 78.

(8) سورة البقرة /32.

(9) معاني القرآن للأخفش 1/ 220.

(10) روح المعاني 1/ 226.

(11) أنوار التنزيل / 25.

(12) سورة البقرة / 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت