لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [1] . وقد أجيبت دعوة نوح عليه السلام ودل التعبير صريحا على ذلك بقوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} . وقد فصّل التعبير في نوع هذه الاستجابة بقوله: {فنَجَّيْنَاهُ} بالفاء التفسيرية دون العطف بالواو؛ وذلك عناية بالاستجابة له، ولمكان الإجمال والتفصيل لعظم ما كان فيه من الكرب وتفاقمه جدًا [2] .
والمراد بـ {أَهْلَهُ} هنا عموم (( أهل بيته عدا أحد بنيه الذي كفر به ) ) [3] وقيل إلا امرأته [4] . والنص القرآني دال صريح على الاثنين كليهما، إذ ذهب الطوفان بهما معًا.
والكرب يعني: (( الغم الشديد ... وأصل ذلك كرب الأرض وهو قلبها بالحفر. فالغم يثير النفس إثارة ذلك ) ) [5] .
والمراد بـ {الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} الطوفان [6] ، أو ما لحقه من أذى من قومه [7] .
ويلحظ أن الفعل (نصر) عُدِّي هنا بحرف الجر (من) دون (على) ؛ (( لتضمنه معنى المنع والحماية ... وهو أبلغ من تعديته بـ(على) ؛ لأنه يدل على نصر قوي تحصل به المَنَعة والحماية، فلا يناله العدو بشيء. وأما نصره عليه فلا يدل إلا على المدافعة والمعونة )) [8] . أي إن الفعل (( المتعدي بـ(على) يدل على مجرد الإعانة، والمتعدي بمن يدل على استتباع ذلك للانتقام من العدو والانتصار )) [9] . وهذا من دقيق استعمال حروف الجر في القرآن الكريم.
ويلحظ أيضًا أن التعبير الجوابي، قد أردف بتعبير معلل [10] له مصدّر بـ (إنّ) ، وهو قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ} ، والمراد بالسوء هنا: الكفر والتكبر والعناد والسخرية من رسولهم. ويلحظ أنهم وصفوا بأنهم {قوم} ،إشارة إلى أنهم عرفوا بذلك [11] ، حتى صار وصفًا ملازمًا له. وأضيف هذا اللفظ الدال عليهم إلى (السوء) ؛ بيانًا لسوء عملهم.
(1) سورة نوح /26.
(2) روح المعاني 17/ 86.
(3) التحرير والتنوير 17/ 113.
(4) في ظلال القرآن 4/ 2389.
(5) المفردات في غريب القرآن /645 (كرب) .
(6) التحرير والتنوير 17/ 113، وروح المعاني 17/ 73، وفي ظلال القرآن 4/ 2389.
(7) روح المعاني 17/ 73.
(8) التحرير والتنوير 17/ 113.
(9) روح المعاني 17/ 73.
(10) نفسه 17/ 73.
(11) التحرير والتنوير 17/ 114.