ونحو هذا قوله عظم شأنه مخبرًا عن دعاء أيوب عليه السلام التعريضي [1] ، حين (( ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب ) ) [2] : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَءآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [3] .
فقد أجاب الله تعالى دعاءه إجابة سريعة، إذ الفاء في قوله: {فَاسْتَجَبْنَا} (( إشارة إلى سرعة كشف الضر عنه، والتعقيب في كل شيء بحَسَبِه. وهو ما تقتضيه العادة في البُرء وحصول الرزق وولادة الأولاد ) ) [4] . أي أن الاستجابة أًبهِمت، ثم بينا بعد ذلك مباشرًة في السياق بكشف ما به من داء، وإتيانه أهله الذين فقدهم بموتهم ومثلهم في العدد [5] . وذلك بقوله {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَءآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ} . فالفاء هنا تفسيرية تفصيلية [6] ، والكشف هنا يعني: الإزالة [7] .
وهو (( مستعمل في الإزالة السريعة. شبهت إزالة الأمراض والأضرار المتمكنة التي يعتاد أنها لا تزول إلاّ بطول بإزالة الغطاء عن الشيء في السرعة ) ) [8] . فهو إذن كناية عن استجابة دعائه، إذ الإجابة تعقبت الدعاء [9] .
ويلحظ أن التعبير أظهر شمول الاستجابة في الكشف عمّا بهذا النبي الكريم، إذ ورد التعبير بالاسم الموصول في قوله: {مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} وفي ذلك من الإبهام ثم تفسيره بـ (من) البيانية، قصد إعظام ذلك الضر [10] . ثم عطف قوله {وَءآتَيْنَاهُ} على قوله {فَكَشَفْنَا} ، وهذا العطف - كما ذكر الآلوسي [11] - يلزم أن يكون المعطوف داخلا في حيّز الاستجابة. وفي ذلك خفاء، لعدم ظهور كون الإتيان المذكور مدعوًا به. وأما إذا عطف على قوله {اسْتَجَبْنَا} فلا يلزم ذلك.
(1) مجمع البيان 7/ 59، والتحرير والتنوير 17/ 127.
(2) الكشاف 2/ 581.
(3) سورة الأنبياء / 83 - 84.
(4) التحرير والتنوير 17/ 127.
(5) الجامع لأحكام القرآن 11/ 326.
(6) روح المعاني 17/ 85.
(7) مجمع البيان 7/ 59، والتعريفات/ 19.
(8) التحرير والتنوير 17/ 127.
(9) الجامع لأحكام القرآن 11/ 326.
(10) التحرير والتنوير 17/ 127.
(11) روح المعاني 17/ 81.