(( لا يستوي هؤلاء وأولئك ) ) [1] . ولم يُقْصَد التعبير على معلوم، لذا حُذفَ المفعول [2] .
وقد يدل على الجواب المحذوف من الكلام دليلان، أحدهما حاليّ والآخر سياقي، كالذي في قوله عظم شأنه مخبرًا عن دعاء النبي إبراهيم عليه السلام حين قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [3] .
فقد حصلت الاستجابة، غير أن التعبير لم يذكرها صريحة، وإنما دلّ عليها دليلان:
الأول: حالي، وهو أن التعبير القرآني ذكر في موضع أن مكة أصبحت بلدًا ذا أمن، وأن فيه كل ما سأل إبراهيم لها، وهو قوله تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [4] . و (كلّ) هنا يراد بها التعبير عن كثرة ما يُجبى إليها. وهذا نظير قوله تعالى في ملكة سبأ على لسان الهدهد: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [5] .
والآخر: هو السياق في قوله: {مَنْ كَفَرَ} ، ففيه إيجاز بالحذف، كأنه قال: استجبت. والذي يدل عليه أنه ما نفى فلم يقل (لم استجب) ، أي إن (( الدعوة قد اجيبت ووضع لها شروط جزائية ) ) [6] ، هي أنه لم يستجب لمَن كفر، بل استجاب لمن آمن. والمعنى: (( قد استجبت دعوتك فيمن آمن منهم، ومَن كفر فأمتعه بالرزق الذي أرزقه إلى وقت مماته ) ) [7] .
و (مَنْ) في قوله {ومَنْ كَفَرَ} (( في موضع نصب، أي وارزق مَن كفر فأمتعه. ويجوز أن تكون(مَنْ) للشرط ونصبها بفعل مضمر بعدها، أي: ومن كفر أرزقُ. (فأمَتِعُهُ) جواب الشرط ارتفعَ لدخولِ الفاءِ. ويجوزُ أن يكونَ (مَن) رفع بالابتداء و {فأُمتِّعهُ} خبره. والكلام شرط أيضًا وجواب )) [8] .
والمتاع: هو (( انتفاع ممتد الوقت. يقال: مَتَّعَهُ اللهُ بكذا، وأمتعه، وتمتع به ... وكل موضع ذكر فيه تمتعوا في الدنيا فعلى سبيل التهديد؛ وذلك لما فيه من معنى التوسع ) ) [9] . وقد
(1) من إعجاز البيان في القرآن الاستفهام /282.
(2) دلائل الإعجاز /169.
(3) سورة البقرة /126.
(4) سورة القصص /57.
(5) سورة النمل /23.
(6) الدعاء والإجابة /46.
(7) مجمع البيان 1/ 206.
(8) مشكل إعراب القرآن 1/ 110 - 111.
(9) المفردات في غريب القرآن /699 (متع) .