الصفحة 64 من 342

جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [1] مبيِّنًا ذلك الخيرَ بجملة مستأنفة [2] .

فقد جاء الكلام المستأنف دالًا على بيان ما كان خيرًا [3] من ذلك المتاع الدنيوي، حينما بيّن سبحانه وجود المتاع الأخروي الذي لا مناسبة بينه وبين المتاع الدنيوي عند الله سبحانه [4] .

وقد قيل [5] : إن منتهى الاستفهام عند قوله {عِنْدَ رَبِّهِمْ} ، وقيل عند قوله {بِخَيْرٍ مِنْ ذَالِكُمْ} ، ثم يكون الاستئناف على الأول بقوله (جَنَّاتٌ تَجْرِي) ، أي ما ذلك الخير؟ قيل في الجواب: (هو جنات) بحذف المبتدأ، وعلى الثاني استأنف فقال {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ} .

والتقدير الأخير هو الأرجح فيما يبدو؛ لأن الإبهام فيه أقوى مما لو خصص (الخير) بالذين اتقوا، بجعل الحكم خاصًّا بهم، فقد جيء بالحكم - على القول الثاني - مطلقًا، ثم جيء بالتخصيص والتحديد. وفي هذا انتقال والتفات، وفي الالتفات تنبيه.

ومن هذا النوع من جوابات البيان قوله عظم شأنه: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ)} [6] . فقد جاء الجواب، كما يلحظ من التعبير، مصدَّرًا بالفعل الذي جاء به السؤال {تَنَزَّلُ} وهو مما يجوز تركه [7] ؛ لأن السؤال إذا كان (( موجودًا لفظًا فالأكثر ترك الفعل في الجواب، ويُقتصر على الاسم وحده، وأنه يجب ذكر الفعل مع الإضمار ) ) [8] . فلما أخبر سبحانه (( أن القرآن ليس مما تتنزل به الشياطين، وأنه وحي من الله، عقبه بذكر مَنْ تنزل عليهم الشياطين، فقال: {هَلْ أنَبِئُكُم} ) ) [9] . وقد استعمل السياق الأداة (هل) التي يراد بها هنا معنى التوبيخ [10] ؛ لأن فيها (( قوة وشدة بالغة في الرد على الكفرة المفترين فاستعمل لذلك(هل ) )) [11] .

(1) سورة آل عمران /15.

(2) مواهب الرحمن 3/ 153.

(3) الكشاف 1/ 416.

(4) مواهب الرحمن 3/ 153.

(5) مجمع البيان 2/ 418.

(6) سورة الشعراء /221 - 223.

(7) دلائل الإعجاز /237.

(8) التبيان لابن الزملكاني /143.

(9) مجمع البيان 7/ 208.

(10) بحر العلوم 1/ 611.

(11) التعبير القرآني /136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت