وقوله عز وجل: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [1] فقد جاء التعبير بعد (إنْ) المخففة جوابًا لسؤال مقدَّر، جاء بيانًا وتعيينًا [2] .
فيتضح ممَّا تقدم أن جوابات البيان إما أن ترد جوابًا عن سؤال مباشر وصريح مصدَّر بإحدى الصيغ الدالة على طلب الفهم، والاستبانة والإيضاح، كتعبير (يَسئَلونَكَ) ، أو (يَسئَلُكَ) ، أو (يَسْتَفْتُونَكَ) ، أو بإحدى أدوات الاستفهام التي كثيرًا ما يلائم السؤال بها المعنى الذي يُبيِّنُهُ الجواب، كالتفخيم والتهويل والتعظيم وما إليها. وإما ترد جوابًا عن سؤال مقدر.
والتقدير في جوابات البيان نوعان: تقدير بعلَّةٍ، وتقدير بغير علة. وأكثر ما وقع النوعانِ على سبيل الاستئناف البياني.
والسؤال الصريح قد يصدر من عالم بحقيقة ما يسأل لقصد معين، أو يصدر من جاهل بالشيء فيستفهم عنه، أو متعنت أو مكابر على سبيل التعجيز أو غير ذلك. وكل ذلك يكشف عنه السياق اللفظي أو الحالي أو القرينة العقلية، فتشعرنا بماهية ذلك السؤال وغايته.
وصور البيان كثيرة، فمن الجوابات ما تكون كاشفة عن حقيقة، أو مبيِّنة لماهيّة أو علة وسبب، فكثيرًا ما ترد الجوابات بتعبير تعليلي مبيِّن علةَ الحدث وسببه، أو موضِّح لأمر مُبهم أو مبينٍ لحال أو صفة.
وصور التعبير عن ذلك كلِّهِ منوَّعَةٌ؛ فكثيرًا ما تردُ مصدرة بـ (قل) التلقينية المردفة ببيان الأمر المسؤول عنه، أو تكون مصدرة بـ (إنّ) أو بـ (إنّما) .
ثم إنها قد ترد مشاكلة للفظ المعبِّر عن السؤال، أو المُعبِّر عن الخبر السابق لها، أو على سبيل الإثارة والتنبيه والتشويق، أو التعظيم والتفخيم وما إلى ذلك.
وقد ترد الجوابات موجزة تعيِّنُ المبهم وتوضحهُ؛ من غير تفصيل أو إطناب، أو ترد وفيها تفصيل في البيان والإيضاح، وكلاهما لا يرد إلا لغرض معنوي، وقصد يوحي به السياق وغيره من القرائن الدلالية.
وقد يكون الجواب البياني مطابقًا للسؤال، وهو الأصل في الجوابات، وقد يعدل عمّا
يقتضيه السؤال ويطلبه، لغرض، وهو ما يسمى (الأسلوب الحكيم) [3] ، وهو من صور إخراج الكلام على خلاف مقتضى المراد.
وقد ترد الجوابات بيانًا في سياق متصل بها، أو منفصل عنها، في السورة ذاتها أو في سورة غيرها، واقعة بعدها في النزول والترتيب التاريخي.
(1) سورة النجم /3 - 4.
(2) البرهان لابن الزملكاني /278 - 279.
(3) مفتاح العلوم /553، والبرهان في علوم القرآن 4/ 42، والإتقان 1/ 196، ومعجم المصطلحات البلاغية 1/ 200.