أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم: 35، 36] .
مع أن إبراهيم عليه السلام هو الذي كسّر الأصنام بيده، وهو الذي أراد أن يذبح ابنه طاعة لربه، ومع ذلك خاف أن يقع في عبادة الأصنام، فكيف بغيره؟ ولذلك قال مغيرة ـ وهو ابن مقسم الضبي ـ: كان إبراهيم التيمي يقص ويقول في قصصه: من يأمن البلاء بعد خليل الله إبراهيم؟!
وقد خاف نبينا محمد ? على أمته الوقوع في الشرك وحذّرهم منه؛ قال الإمام أحمد في «مسنده» (4/ 403) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (10/ 37) : ثنا ابن نمير ثنا عبد الملك ـ يعني ابن أبي سليمان ـ العرزمي عن أبي علي ـ رجل من بني كاهل ـ قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل. فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت، أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون. قال: بل أخرج مما قلت، خطبنا رسول الله ? ذات يوم فقال: «أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل» . فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ فقال: قولوا: «اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك به شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم» وهذا سياق أحمد [1] .
(1) وأخرجه البخاري في «الكنى» (ص: 58) والطبراني في «الأوسط» (3503) كلاهما من طريق ابن نمير، وقال الطبراني: لم يروه عن عبد الملك إلا ابن نمير، ولا يروى عن أبي موسى إلا من هذا الوجه ا. هـ. وأخرجه في «الكبير» كما في «المجمع» (10/ 223) .
قلت: وهذا إسناد لا بأس به، وهو غريب، وابن نمير ثقة ثبت خرّج له الجماعة.
وعبد الملك ثقة حافظ له بعض الأوهام القليلة، خرّج له مسلم وبقية أصحاب السنن.
وأبو علي الكاهلي ليس بالمشهور؛ ذكره البخاري في «الكنى» (ص: 52، 58) وابن أبي حاتم (9/ 409) وسكتا عنه، ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه سمع أبا موسى وسمع منه عبد الملك، وذكره ابن حبان في «الثقات» (5/ 562) .
وقال المنذري في «الترغيب» (1/ 58) : رواه أحمد والطبراني، ورواته إلى أبي علي محتج بهم في «الصحيح» ، وأبو علي وثقه ابن حبان ولم أر أحدًا جرحه ا. هـ.
وقال الهيثمي (10/ 224) : رجال أحمد رجال الصحيح غير أبي علي ووثقه ابن حبان اهـ.
وله شاهد بنحوه أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (716) : ثنا عباس النرسي ثنا عبد الواحد ثنا ليث أخبرني رجل من أهل البصرة قال: سمعت معقل بن يسار يقول: انطلقت مع أبي بكر الصديق إلى النبي ? فقال: يا أبا بكر ... فذكره بنحوه.
وهذا إسناد ضعيف؛ ليث هو ابن أبي سليم لا يحتج به وقد اختلط، وقد اختلف عليه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وفيه الرجل الذي لم يسم.
وأخرجه أبو بكر الأموي في «مسند الصديق» (18) : ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير عن ليث عن شيخ من عنزة عن معقل به، وفيه زيادة أنه يقول هذا الدعاء ثلاث مرات.
وأخرجه أيضًا (17) : ثنا إسحق بن إسرائيل ثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج قال: أخبرني ليث عن أبي محمد عن حذيفة عن أبي بكر؛ إما حضر ذلك حذيفة من النبي ? مع أبي بكر وإما حدثه إياه أبو بكر عن النبي ?.
وأخرجه أبو يعلى (58) : ثنا إسحق بن إبراهيم ثنا هشام بن يوسف به؛ وإسحق بن إبراهيم هو ابن أبي إسرائيل.
وأخرجه أيضًا (60، 61) من طرق عن عبد العزيز بن مسلم عن ليث عن أبي محمد عن معقل: شهدت النبي ? مع أبي بكر أو حدثني أبو بكر.
وأخرجه أيضًا (59) من طريق عبد العزيز وفيه: «حدثني أبو بكر» بدون تردد. ولكن هذا الإسناد ضعيف فيه شيخ أبي يعلى عمرو بن الحصين وهو متروك.
وأخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (287) من طريق هشام بن يوسف به.
قلت: وهذا الاضطراب الظاهر أنه من ليث لضعفه، لكن روايته لهذا الخبر عن رجل من أهل البصرة ـ وفي رواية من عنزة، وفي رواية سماه أبا محمد ـ عن معقل بن يسار به أرجح من غيرها؛ لأن ثلاثة من أصحابه اتفقوا عليها وهم: عبد الواحد وهو ابن زياد، وجرير وهو ابن عبد الحميد، وعبد العزيز بن مسلم؛ وكلهم عراقيون مثل ليث بخلاف ابن جريج فلعله سمعه منه في الحج، ولا شك أن ما حدَّث به الراوي في بلده أثبت مما حدّث به في غير بلده.
وقد تابعهم أبو جعفر الرازي كما أخرجه ابن بطة (981) في «الإبانة» وأبو إسحق ـ وهو الفزازي ـ عند ابن بطة أيضًا (982) ، وعبد الوارث بن سعيد؛ فقد رواه عن ليث: ثني صاحب لي عن معقل عن أبي بكر، كما في «العلل» للدارقطني (1/ 192) .
وجاء في رواية عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون عن ليث تسمية شيخه فقال: عن عثمان بن رفيع عن معقل عن أبي بكر، كما في «العلل» للدارقطني (1/ 191) .
وجاء من أوجه أخرى:
فقد أخرجه هناد بن السري في «الزهد» : ثنا محمد بن فضيل بن غزوان عن ليث عن مجاهد قال: قال رسول الله ? لأبي بكر فذكره. وهذا مخالف لكل ما تقدم من الروايات.
ورواه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1379) من طريق هناد به.
وجاء من طريق آخر عن أبي بكر رضي الله عنه: فرواه يحي بن كثير أبو النضر عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد الكوفي عن قيس عن أبي بكر به.
وأخرجه ابن حبان في «المجروحين» (3/ 130) ، وابن عدي في «الكامل» (7/ 2695) ، وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 112) كلهم من طريق شيبان بن فروخ عن يحي به.
وهذا إسناد باطل؛ قال ابن عدي: وهذا عن الثوري ليس يرويه غير يحي بن كثير ا. هـ. ومثله قال أبو نعيم.
وقال الدارقطني في «العلل» (1/ 193) : ولا يصح عن إسماعيل ولا عن الثوري ا. هـ.
قلت: وجاء من طرق أخرى، ولا يصح منها شيء؛ انظر: «الضعفاء» للعقيلي (3/ 60) «والحلية» لأبي نعيم (3/ 36) و (8/ 368) و «المستدرك» للحاكم (2/ 291) .
وحديث ليث وإن كان لا يصح ولكنه يقوّي حديث أبي موسى السابق في الجملة، وليث ضعيف ولكن يكتب حديثه، قال ابن معين في رواية معاوية بن صالح: ضعيف إلا أنه يكتب حديثه. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثوري، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه. وقال الدارقطني: صاحب سنة يخرّج حديثه، ثم قال: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب. وقال البزار: كان أحد العباد إلا أنه أصابه اختلاط فاضطرب حديثه، وإنما تكلم فيه أهل العلم بهذا وإلا فلا نعلم أحدًا ترك حديثه ا. هـ. فمثله يعتبر بحديثه، وشيخه لا يعرف كما تقدم.