إذًا أساس التوثيق عندهم في المرويات والمنقولات هو الحب والبغض، فالذي يكون أكثر بغضًا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في مروياته أوثق من الذي يتّهم عندهم بأنه يتهاون في أمر الصحابة، ولا يلعن صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وأم المؤمنين عائشة، وسائر الصحابة رضي الله عنهم وأئمة التابعين وصفوة المسلمين.
هذا مع أن عليًا رضي الله عنه لم يكفّر حتى من حاربَه من أهل الشام وغيرهم، فقد قال صراحة في كتابه إلى أهل الأمصار يقصّ فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين، الذي رواه إمام الشيعة محمّد الرضى في نهج البلاغة (ص:323) : (وكان بدء أمرنا أنا التقينا القوم من أهل الشام، والظاهر أنّ ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا في دم عثمان ونحن منه براء) اهـ. هذا ما روته كتبهم فأين هم من هذا؟
هذا ما أردتُ بيانه من المنكرات مما في كتبهم تلك التي يريدون منا اعتمادها، مما يمنعنا من الأخذ بها، مع ما فيها من الطعن بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة السنّة، في الوقت الذي تخلو فيه كتب أهل السنة جميعًا من الطعن بأئمة أهل البيت، بل فيها مدحهم والثناء عليهم وإيجاب محبتهم، وفوق ذلك فيها الاحتجاج بأهل الصِّدق من الشيعة- كما سيأتي عند ذكر الرواة الشيعة الذين احتجّ بهم أهل السنة- الأمر الذي الذي لا تجد نظيره في كتب الشيعة هؤلاء، فمن هو المنصف منهما أليسوا هم أهل السنة؟ ورحم الله الإمام عبد الرحمن بن مهدي حين قال: أهل العلم يكتبون ما لهم وعليهم، وأهل الجهل لا يكتبون إلاّ ما لهم..!
والحمد لله أولًا وآخرًا. وصَلّى الله على محمّد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا
(3 ربيع الأول 1411 هـ)
أبو مريم بن محمّد الأعظمي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد بن عبد الله سيّد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين.
وبعد..
فقد اعتمدت في ردّي على كتاب المراجعات هذا على نسختين منه: الأولى مطبوعة في دار النعمان في النجف، وهي الطبعة السادسة من الكتاب سنة (1384هـ) ، والثانية مطبوعة في مؤسسة الأعلمي في بيروت، وهي الطبعة العشرون منه، ولم أتعرف على سنة الطبع.
وقد جعلتُ الأصل الذي أنقل منه وأعزو إليه هو النسخة الأولى لقدمها، وإن كان هناك اختلاف بين النسختين في موضع معيّن أشرت اليه فليعلم.
والطريقة التي أتبعها في إخراج الكتاب هي أني لا أسوق كلّ ما قاله وسطّره، فإن في ذلك تطويلًا مملًا إذا انضمّ إلى ردّنا وتعليقنا عليه؛ لذا سأكتفي بنقل ما يستحقّ الردّ من كلامه، وما سوى ذلك سأجعل له مختصرات عن طريق نقل رقم المراجعة، ثم بعض النقاط التي تختصر محتواها وتعرف بمضمونها اعتمادًا على مختصراته التي وضعها هو أمام رقم كلّ مراجعة، وهذا سارٍ أيضًا على المراجعات المنسوبة إلى شيخ الأزهر، وقد استعملنا حرفي (س) و (ش) للدلالة على اسم سليم البشري السّنّي وشرف الدين الشّيعي، كما هو مقترح ومتّبع في كتاب المراجعات نفسه. والله الموفّق.
وأبتدئ التعليق والكلام من حياة المؤلف التي كتبها المدعو مرتضى آل ياسين، الذي لُقّب بآية الله وعلم الهدى، ومن أول وهلة نُدرك أننا مع قوم يحبون المغالاة في رجالهم وأئمّتهم، ويحبّون إطلاق الألفاظ الرّنانة عليهم.
ولي على حياة المؤلّف ملحوظتان:
الملحوظة الأولى: قال في (ص:10) : (ولكنّ إحكام الكتاب على هذا النحو، من قوة العارضة في الأدب، وبُعد النظر في البحث، وسلامة الذّوق في الفنّ، وحسن التيسير في إيضاح المشاكل وتحليل المسائل...) هذا حكم من لم يدقق النظر في الكتاب، أو ليس عنده حظ من علم يتبين به حقيقة ما جاء في هذا الكتاب، فإن فيه من الفجوات والقوادح ما يكفي لنقض القول بإحكام الكتاب وبُعد النظر في البحث، ولكن لا نستعجل الكلام على ذلك إنما أريد أن أشير إلى عدم صحة مثل هذا الوصف. وقد علّقنا على ما جاء في الكتاب تفصيلًا.
الملحوظة الثانية: قال في (ص:24) : (ومؤلفاته كلها تمتاز بدقّة الملاحظة، وسعة التتّبع، وشمول الاستقصاء، وصحة الاستنتاج، وشدة الصقل، وأمانة النقل، وترابط الأجزاء، في خصال تتعب الناقد وتُحفِظ الحاقد) .