الصفحة 2 من 366

وتطور الأمر إلى أنّ بعضًا منهم أخذ يأتيني بأدلة مختلفة من الكتاب أو من السنة يزعم أنها تؤيد مذهبه، ولم أكن أعرف تمامًا مصدر هذه الأدلة ومن أرشده إليها؛ خصوصًا وأن بعضًا منهم باعترافه هو لم يكن من أهل العلم المتبحّرين، ولا من حفظة النّصوص، وبعضهم يأتيني بها مكتوبةً مسجلةً، لا يرشدني إلى مصدرها، فكنت أكتفي حينها بالردّ عليها فقط وبيان ما فيها من ضعف أو عدم دلالة على ما ادعاه.

وسار الأمر على هذا المنوال حتى اضطر أحدهم إلى عرض كتاب المراجعات لمؤلفه (عبد الحسين شرف الدين الموسوي) عليَّ طالبًا بيان رأيي فيه، ولا أنكر أني كنت قد سمعت عنه وعلمت به فيما قرأت، ولكن لم يتح لي الوقوف عليه ولا معرفة محتواه حتى جاءني به أحدهم، وكانت تلك المرة الأولى، فلم أقف عليه طويلًا، غير أني اكتشفت أن معظم النّصوص التي كنت أحاجج بها مستلة منه حتى بنفس التعليق عليه، بما في ذلك التعليق من أخطاء كنت قد بينتها لمن عرضها عليّ. ثم تكرر ذكره والاحتجاج به من أناس عديدين بعد ذلك، وحصل مثله لبعض الإخوان فأرسله إليَّ طالبًا بيان ردّ سريع عليه، أو على الأقل بيان الرأي في صحة ما احتواه من نصوص، أو دلالة على المدعي.

فأيقنت حينها أن هذا من المتحتم -على الأقل- فيما يخصني لنفسي ولمن طلبه مني، وأن هذا لا يغني عنه الرد السريع، بل رد مفصّل على كل ما جاء في الكتاب دون ترك شاردة أو واردة فيه قدر الإمكان، مع عدم علمي بمن فعل ذلك (1) .

فتوكلت على الله، وعقدت العزم على التعقيب على الكتاب جملةً جملة؛ بما يستحق ذلك، وكذا جميع حواشيه، مستعينًا بأقوال أهل العلم في كل ذلك على قدر اطلاعي وعلمي، وأردت منه أن يكون ردًا- كما قلت- أحتفظ به لنفسي أستعمله لكل من احتجّ بذلك الكتاب أمامي ولا أمنع أحدًا طلبه مني.

والذي يهمّ في ذلك الكتاب ويجعل له تلك المكانة من دون الكتب الأخرى عدة أمور:

أولها: أنه ناتج -كما هو مزعوم- من مناظرة بين مؤلفه وبين شيخ الأزهر، الذي يمثّل جانب أهل السنة جميعًا هنا، فكل إقراراته على كلام الأول تحمل على أنها إقرارات من أهل السنة جميعًا تلزمهم الحجة، مع أن كل من طالعه ونظر في أدلّته وكان عنده حظّ من علْم عَلِمَ ببطلانها أو عدم دلالتها على المدّعي، والعجَب كيف غفل عن ذلك شيخ الأزهر حتى وافقه عليه.

وغالب الظنّ أنها مناظرات مزعومة غير حقيقية وإلاّ فبِمَ يفسّر سكوته عن مثل احتجاجه بالأحاديث الظاهرة البطلان؟

أو عن الكذب حتى في نقل النّصوص؟ كما سنبين إن شاء الله.

ثم رأيت كتابًا للدكتور أحمد محمّد التركماني بعنوان: تعريف بمذهب الشيعة الإمامية، نقل فيه شيئًا بسيطًا من أقوال صاحب المراجعات وردّ عليها، وقد أفدت منه، وكان فيما قاله لبيان كذب هذه المناظرات وتزييفها (ص:99-100) ما نصُّه: (ومن الأمثلة على كذبهم المفضوح ما أقدم عليه المسمّى عبد الحسين الموسوي، إذ نسج من خياله كتابًا سمّاه كتاب المراجعات، وأفاد أنه حوار بين شيخ الأزهر سليم البشري وبينه، ويُظهِر المؤلّف أن شيخ الأزهر في ذلك الوقت عبارة عن تلميذ غرّ لا يفهم من الإسلام إلاّ النّزر القليل، وأنه يقف موقف المتعلّم من الشيخ المذكور ويسلّم بكل ما يقول. إنّ الكتاب نشره صاحبه بعد موت الشيخ سليم البشري بخمسة وعشرين عامًا، حتى لا يفتضح أمرُه وتُكشف حقيقته. ونتساءل: ما دام الشيخ سليم البشري قد كان يسلّم له بكل ما يقول -كما زعم- فلم لم يصبح الشيخ شيعيًا؟ إن المؤلف قد صرّح بأن كثيرًا مما أورده في كتابه لم يكن مما جرى بينه وبين الشيخ من حوار، فقد أضاف وعدل ما يحقق غرضه وهدفه الخبيث. ويشعر المؤلف أنّ الكتاب رسائل متبادلة بينه وبين الشيخ سليم البشري، ولم يقدّم لنا رسالةً واحدة بخط الشيخ يثبت مدعاه) اهـ.

وهذا الذي قاله من الإضافة والتعديل في الكتاب قد صرّح به هذا الموسوي في (ص:34-35) في مقدمة كتابه.

الأمر الثاني: أن الكتاب مبنيّ -كما يدّعي مؤلفه- على نصوص من كتب أهل السنة وحدهم تلزمهم بالمذهب الذي تقول به الشيعة، مما يجعل عدم الكلام على تلك النّصوص أو ردّها إقرارًا لمؤلفه بصحة دعواه.

(1) ثم حين أوشكت على إنهاء الكتاب علمت بوجود رد على المراجعات صدر في عام (1409هـ) في جزأين بعنوان: البينات في الرد على أباطيل المراجعات، للأستاذ محمود الزعبي، لكني وجدته أشبه ما يكون بالرد الإجمالي غير التفصيلي الذي يمكن صاحب الهوى أن يجد فيه ثغرات كثيرة، وقد خلصت إلى أن رده لا يلغي فائدة ردّي بإذن الله، كما أن ردّي لا يلغي فائدة رده كذلك، والله المسؤول أن يثيبنا جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت