الأمر الثالث: أن مؤلفه استقصى كل النّصوص التي يظنها تؤيده من كتب أهل السنة، ناقلًا ذلك إمّا من كتبهم مباشرةً -وهو قليل- أو من كلام بعض أسلافه في استشهاداتهم كابن المطهّر الحلّي الذي ردّ عليه شيخ الإسلام وغيره، فليس هناك آيةٌ أو حديث احتجّ به أحد من الشيعة فيما مضى على دعواه إلاّ وتجدها في هذا الكتاب -على غالب ظني- مضافًا إليها نصوص أخرى أتى بها المؤلف بنفسه.
من أجل كل هذه الأمور ولما سبق بيانه أيضًا اهتممت بالتعليق والردّ على هذا الكتاب، مع أني لم أجد من سبقني إلى ذلك (1) ، سوى ما مرَّ ذكره في كتاب الدكتور أحمد محمّد التركماني وهو قليل جدًا، وما قرأته في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (2/297) ، للشيخ المحدّث محمّد ناصر الدين الألباني، بأنه ردّ على أحاديث كتاب المراجعات هذا ضمن الأحاديث (4881-4975) وقد سررت به كثيرًا -والله- إذ رأيت من أهل العلم من سهل لي ذلك وكفاني مؤونته، غير أني -مع الأسف- لم أجد الجزء العاشر من ذلك الكتاب، إذ ينبغي له أن يحوي تلك الأحاديث (4881-4975) وسألت عنه كثيرًا لكن دون جدوى، وأظنه لم يطبع إلى الآن (2) ، فلم يكن لي بدّ من خوض غمار هذا العمل بنفسي؛ مستعينًا بالله العظيم، ومسترشدًا بهدي سلفنا الصالح وأقوال أئمة أهل العلم في هذا الشأن وأخصهم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من كتاب منهاج السّنة وغيره.
والمنهج الذي أتّبعه -بإذن الله- في هذا الكتاب: أني أسوق كلام المؤلف بنصّه فقرةً فقرة بما أرى أنه وحدة واحدة، وإن كان هناك تعليق في الهامش سقته بعده أيضًا، ثم أشرع في الرّد عليه، وإن كان هناك نصّ-آية أو حديث- عقّبت عليه بما يخالف ما أورده منه، وللحديث أبين إسناده أيضًا، مع عزوه لآخرين غير الذين يعزوه إليهم المؤلف إضافة إليهم.
ويمكن حصر التعليق والرّد في النقاط الآتية
(1) بيان صحة أو عدم صحة ما ادعى نقله من مختلف النّصوص، والتعليق عليها بالرجوع إلى نفس المصادر التي ذكرها، وأحيانًا أضيف إليها مصادر أخرى، مع ملاحظة أنه كثيرًا ما يعزو الحديث أو أي قول إلى غير مصادره الأصلية، بل إلى مصادر يمكن تسميتها وسطية، وهذه طريقة قاصرة في التخريج تفوّت فوائد كثيرةً، ويمكن باتباعها خلط الصدق بالكذب والصواب بالخطأ.
(2) الكلام على أسانيد الأحاديث والآثار التي يسوقها والتي أذكرها في نفس الباب وفق قواعد هذا المصطلح معزوًا إلى أهل هذا العلم.
(3) بيان وجه احتمالية النّصوص التي يسوقها- الآيات أو الأحاديث- لما استدلّ به، وردّ احتجاجه ذلك من جهة اللفظ إن أمكن.
(4) بيان بطلان القواعد التي يستنتجها من تلك النّصوص أو من غيرها بيانًا مدعمًا بالأدلة.
(5) ذكر المعاني الصحيحة للآيات التي يسوقها، وأسباب نزولها الثابتة بالإسناد الصحيح عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين، وكذا لما صح من الأحاديث.
وفي كل ذلك استعنت بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية أو غيره مما يشبهه هنا، وإن لم أجد فعلت بنفسي، ولم ألتفت إلى ما زعم أنه جواب شيخ الأزهر في مراجعاته، لعدم الاطمئنان لصحته، ولعدم وجود فائدة علمية تنفع، والله أعلم.
هذا وأحب أن أشير إلى أنه ربما يذكر قاعدة أو أصلًا أو حتى وصفًا ولا يذكر دليله عليه، فأشير إليه وأذكر مستنده ودليله في ذلك، ثم أتكلّم عليه كما سبق.
ولربّ قائل يقول: أن ما اعتمدته في نقد النّصوص التي ساقها وفي النّصوص التي رددت بها عليه إنما هو من كتب أهل السنة فقط؛ سواء منها كتب الأحاديث والآثار، أو كتب الجرح والتعديل-كتب رجال الإسناد- مع العلم أن هناك كتبًا عند الشيعة لأئمتهم توازي تلك الكتب عند أهل السنة، وبإمكان المؤلف أو من ينوب عنه أن يجعلها عمدته في ذلك أيضًا وينقض كلّ كلامك هنا، فأقول مجيبًا على ذلك بأمرين:
الأمر الأول: إن المؤلف يزعم -وكذا من اتبعه- أنه إنما يريد بتلك النّصوص أن يحج بها أهل السنة، وإنما هي نصوص من كتبهم، فلذا كان لزامًا أن تخضع تلك النّصوص لموازينهم هم لا غيرهم، وأن تقيّم بما يُقيِّم به أهل السنة نصوصهم لا غيرهم؛ حتى تصبح مقبولة عندهم، ومن ثم يمكن للمخالف لهم أن يلزمهم بها. وبخلاف ذلك تكون غير مقبولة عندهم ولا تشكل دليلًا عليهم، وهذا ما يضطر إلى فعله المؤلف نفسه في أحيان كثيرة - كما سيأتي إن شاء الله - حين لا يجد دليلًا يساعده عند أهل السنة، بل ويصحّح ما يصححه أحيانًا استنادًا إلى قول أئمة الشيعة لا غيرهم، وهو إخلال بالشرط الذي اشترطه في كتابه.
الأمر الثاني: بيان طبيعة تلك الكتب وبعض ما جاء فيها مما يمنع اعتمادها حتى عند أكثر الشيعة أنفسهم، وإليك التفصيل:
طبيعة بعض الكتب وبيان ما جاء فيها:
(1) كتاب الكافي في الأصول وروضة الكافي:
(1) انظر ما قلناه في الهامش السابق عن ردّ الأستاذ محمود الزعبي.
(2) وطبع الآن والحمد لله، وسنفرد كلام العلامة الألباني على الأحاديث التي انتقدها في كتاب المراجعات في رسالة خاصة، البرهان.