فهرس الكتاب
ثم قد تبين لي أن هذا الموسوي إنما نقل استشهاده بهذه الآية عن سلفه ابن المطهر، وعزا نزولها في علي للثعلبي، فرد عليه شيخ الإسلام وبين كذبه فقال (1) : (قلنا: هذا افتراء على الثعلبي، وإنما قال الرجل في هذه الآية: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. قال علي بن أبي طالب وقتادة والحسن: انهم أبو بكر وأصحابه) اهـ. فبان بذلك أن الثعلبي نفسه ذكر قول علي رضي الله عنه في نزول هذه الآية في أبي بكر، وثبت بذلك كذب قوله وبطلانه، ثم إن هذه الآية يمكن أن يستعملها الخوارج في الطعن بعلي رضي الله عنه، فلهم أن يقولوا إن الله مدح هؤلاء القوم فقال: (( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [المائدة:54] وأن عليًا لم يكن ذليلًا على المؤمنين، بل عزيزًا عليهم، فإنّه أول من شهَرَ سيفَه على أهل القبلة، وأول من ترك قتال الكفار ولم يحارب أحدًا منهم، بل حارب المسملين حتى طمع فيهم أعداؤهم من الروم، ولهم أن يقولوا أيضًا إن الله قال: (( يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) ) [المائدة:54] وعليّ إنما كان قتاله من أجل الرئاسة والإمارة وليس في سبيل الله، ولسنا نريد تقرير مذهبهم الباطل، بل لبيان أن الخوارج مع أنهم مبطلون إلا أن حجتهم في هذه الآية أقوى من الشيعة، وكلاهما قد جانب الصواب، ولا شك أن عليًا رضي الله عنه يحب الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله، لكن أبا بكر رضي لله عنه مقدم عليه في هذه الآية، مع أن لفظ الآية صيغة جمع يمتنع حملها على واحد فرد، فبطل استدلاله بها من كل الوجوه والحمد لله رب العالمين، كما بطل استدلاله بالآية قبلها؛ لما قررناه من أن معنى الولاية هناك هو النصرة والإعانة، للوجوه التي ذكرناها، ويضاف إليها: أن نقول بأن المؤمنين كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا فائدة اذًا من ذكره لهم ثانية، وإنما ذكر الله تعالى هذا الكلام تطييبًا لقلوبهم وتعريفًا لهم بأنه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار، وإذا كان كذلك كان المراد بقوله: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ... ) ) [المائدة:55] هو الولاية بمعنى النصرة والمحبة.
ثم إن عليًّا رضي الله عنه لم يحتج بهذه الآية على إمامته في أي محفل من المحافل مع أنه كان أعرف بمرادها من الروافض؛ فبان بذلك أنه يعلم علمًا قطعيًا أن الآية لا تخصّه بشيء دون أحد، ولا يقال: إنه ترك ذلك تقية؛ فإنهم ينقلون عنه أنه تمسّك يوم الشورى -على فرض صحة هذا الخبر- بخبر الغدير وخبر المباهلة، وفضائله ومناقبه الأخرى، ولم يذكر هذه الآية ألبتّة، وذلك مما يرد على الشيعة استدلالهم بهذه الآية، وقد ذكر نحو هذا الرازي في (تفسيره الكبير) .
ومما بقي من الوجوه في الآية مما يمنع حملها على علي رضي الله عنه وحده أن نقول: إن لفظ: (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ ) ) [المائدة:55] صيغة جمع فلا تصدق على واحد فرد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، بل جاءت صيغة الجمع في سبعة مواضع، كما قال الرازي، وهي قوله: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ) [المائدة:55] ، وقال الرازي: (وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظيم لكنّه مجاز لا حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة) . قلت: ومثله قاله البيضاوي في (تفسيره) (1/272) ، ولا يرد هذا ما ذكره هذا الموسوي في (المراجعة 42) (180-182) من جواز إطلاق لفظ الجمع على الواحد، فإنا لا نمنعه مطلقًا في اللغة، بل نقول: إنه جائز لكنّه على خلاف الظاهر، ومعنى ذلك أنه لا يصار إليه إلا لقرينة تدل على ذلك وليس اعتباطًا، وإلا لو كان ذلك ممكنًا دون قرينة لتعطلت بذلك نصوص كثيرة، وما ذكره من الآيات في إطلاق لفظ الجمع على الواحد لا يدل على قاعدة في ذلك، بل هي نصوص خاصة اقترنت بقرينة جعلت المعنيّ بها فردًا واحدًا، وأما في هذه الآية فلا دليل له على إرادة الواحد وحتى ما ذكره في أسباب نزولها فهي مكذوبة كما مر، بل هناك ما يبين أنها عامة في جميع المؤمنين، وهو قول أبي جعفر الباقر المتقدم ذكره وغيره، لهذا قال القرطبي في (تفسيره) (6/143) : (و"الذين"عام في جميع المؤمنين، وقد سئل أبو جعفر الباقر عن هذه الآية: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا! قيل له: بلَغَنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب؟ قال: علي من الذين آمنوا. وقال النحاس: وهذا قول بين؛ لأن"الذين"لجماعة) اهـ.
هذا ما يسّره الله تعالى من الرد عليه في احتجاجه بهذه الآية وما جاء ضمن ذلك، وقد أطلت الكلام عليها مجاراة له في تطويل احتجاجه بها، ولأنه عوّل عليها كثيرًا في مطلبه الفاسد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(1) المنتقى) (ص:473) .