الصفحة 54 من 366

قوله: (ألم يجعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحًا مشروطة بالاهتداء إلى ولايتهم إذ يقول:(( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) ) [طه:82] ) اهـ. ثم عزاه في الهامش (21/64) إلى كل من ثابت البناني وأبي جعفر الباقر وعلي رضي الله عنه وجعفر الصادق. وهذا كله ليس بحجة؛ لأنه يحتاج إلى إثبات صحة نسبته اليهم أولًا، وإلى أن قولهم حجة في تفسير هذه الآية ثانيًا، وكلاهما لا سبيل له إليه خصوصًا وقد رأيت الطبري قد روى قول ثابت البناني هذا في (تفسيره) (16/130) بإسناد ضعيف، فيه عمر بن شاكر البصري وهو ضعيف كما في التقريب. أما إن كان قصده في إيراده لهذه الآثار ذكر تفسير الآية، فنحن نعارضها بآثار أخرى أصح منها في تفسير هذه الآية، فمن ذلك ما رواه الطبري (16/129) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ ) ) [طه:82] من الشرك (( وَآمَنَ ) ) [طه:82] يقول: وحّدَ الله (( وَعَمِلَ صَالِحًا ) ) [طه:82] يقول: أدى فرائضي. وروى الطبري أيضًا (16/130) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (( ثُمَّ اهْتَدَى ) ) [طه:82] يقول: لم يشكّك. فهذا مروي عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (اللهم علّمه التأويل) ، ثم إنه من أهل البيت أيضًا، فما يمكنه أن يقول فيه؟ وروى الطبري أيضًا (16/130) عن قتادة في قوله: (( ثُمَّ اهْتَدَى ) ) [طه:82] قال: أخذ بسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد بن جبير: (ثُمَّ اهْتَدَى) أي: استقام على السنة والجماعة. وروي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلَف كما قال ابن كثير (3/161) .

وهذه الآثار التي ذكرناها لا تعارض بينها، فهي كلها ترجع إلى أمر واحد وهو أن الاهتداء هو الاستقامة على هدى، وهو ما قاله قتادة: لزوم الإسلام حتى يموت عليه. ولزومه هذا لا ينفع إن لم يكن على السنة والجماعة كما قال ابن جبير وغيره، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمع الإيمان والعمل الصالح والتوبة، فمن فعل ذلك وثبت عليه فلا شك في اهتدائه.

والشيعة تريد أن تجعل كل آية فيها مدح تخص أهل البيت أو من يتبع أهل البيت، ويتكلفون لذلك الأخبار المكذوبة وغيرها، ولا شك أن محبة أهل البيت بل ولايتهم واجبة كوجوب ولاية غيرهم من الصحابة والتابعين- كما ذكرناه في عقيدة أهل السنة- لكن ليس بالمعنى الذي تريد الشيعة تقريره، من وجوب عصمتهم، والتبرّؤ ممن سواهم من الصحابة والتابعين، والطعن في سلف هذه الأمة وساداتها، والحمد لله على توفيقه.

قوله: (ألم تكن ولايتهم من الأمانة التي قال الله تعالى:(( إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) ) [الأحزاب:72] ) اهـ.

قلت: استدلاله بهذه الآية مما يبين جهله في فهم نصوص القرآن الكريم، ذلك أنا لو قلنا بموجب قوله، وأن الأمانة هنا هي ولاية أهل البيت؛ لزم ذلك إعراض السموات والأرض والجبال عنها وعدم قبولهم بها ولا إرادتهم لها، والمفروض أن تكون ولايتهم من الأمور المحبوبة المرغوبة لما فيها من الفضل، وليست هي مما يصعب من التكاليف ويشق حمله ولا تعلم عاقبته حتى تعرض عنها السموات والأرض والجبال، ثم إنه لو كانت هي الأمانة حقيقة لما وصف الله سبحانه وتعالى الإنسان حين رضي بحملها بالظلم والجهل، بل لازمه أن يوصف بالحكمة والعلم والرشد؛ لأنه رضي بها واختارها وضمن لنفسه هذا الفوز العظيم والنجاة من النار مهما كان عمله -على ما يدعيه هذا الموسوي وشيعته مما فصّلناه في مقدمتنا- فما أسهله من حمل وما أكبره من فوز!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت