فهرس الكتاب
ثم إن عزوه معنى الآية هذا في الهامش إلى كل من الصافي وتفسير علي بن إبراهيم وغيرهم مما بين انه ينتقي من الكتب والنّصوص ما يوافق هواه، وأن الضابط له في قبول النص موافقته لمذهبه الفاسد؛ ذلك أنك تراه ينقل تارة من تفسير الثعلبي -كما يزعم- وتارة من الواحدي، وتارة من الحاكم، وأخرى من كنز العمّال وغير ذلك، وليس تنقّله بين هذه الكتب بسبب بحثهِ عن الدليل الصحيح سندًا، لأنا لا نراه يذكر إسناد أي دليل ينقله، بل ربما نقل دليلًا موضوعًا مكذوبًا ولا ينبّه عليه، بل تنقّله بينها بحثًا عما يوافق هواه ويعينه عليه. ثم إن من الأصول عند أهل العلم أن يرجع في كل فن من الفنون إلى رجاله وأهله -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- فكما أن المرجع في النحو إلى أربابه، وفي القراءات إلى حذّاقها، وفي اللغة إلى أئمتها وفي الطب إلى علمائه، فكذا المرجع في النقل إلى أمناء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلماء الحديث أجل وأعظم تحرّيًا للصدق من كل أحد، علمَ ذلك من علمّه، فما اتفقوا على صحته فهو الحق، وما أجمعوا على تزييفه وتوهينه فهو ساقط، وما اختلفوا فيه نظر فيه بإنصاف وعدل، فهم العمدة في كل ذلك. وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة (1) -: (وفي الجملة ليس في فرق الأمة أجهل بالآثار ورجالها وأقبل للباطل وأدفع للصحيح من الرافضة، ثم أضدادهم من الخوارج وإخوانهم من المعتزلة يتحرّون الصدق ولا يحتجون بخبر مكذوب، بل ولا بالصحيح، بل لهم طرق وقواعد مبتدعة وعقول في الجملة، وهؤلاء الرافضي لا عقل ولا نقل، فالآثار ومعرفتها والأسانيد من خصائص السنة والجماعة وعلامة صحة الحديث عند الرافض أن يوافق هواه. قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم. ثم نقول لهم: ما يرويه مثلُ النقاش والثعلبي وأبي نعيم ونحوهم، أتقبلونه مطلقًا لكم وعليكم أم تردّونه مطلقا؟ أم تأخذون بما وافق أهواءكم وتردّون ما خالف؟ فإن قبلوه مطلقًا ففي ذلك من فضائل الشيخين جملة من الصحيح والضعيف، وإن ردوه مطلقًا بطل اعتماده بما ينقل عنهم، وإن قبلوا ما يوافق مذهبهم أمكن المخالف ردّ ما قبلوه والاحتجاج بما ردوه. والناس قد كذبوا في المناقب والمثالب أكثر من كل شيء) انتهى كلام شيخ الإسلام.
ونحن نقول لهذا الموسوي وأشباهه نحو هذا فيما ينقلونه من هذه الكتب ثم ما وجه الحجة المزعومة على أهل السنة في أقوال الباقر والصادق والرضا التي احتج بها في الهامش في تفسيره هذه الآية؟ وليس هذا فحسب، بل نقل أقوالهم من كتبهم لا من كتب أهل السنة، وقد فصّلنا في مقدّمة كتابنا حقيقة كتبهم هذه وما جاء فيها، وهي (تفسير الصافي) لملا محسن الملقب بالفيض الكاشاني أو الكاشي و (نفسير القُمّي) لأقدم مفسريهم علي بن إبراهيم القُمّي، وكتاب (الخصال) لابن بابويه القّمي، فراجعها حتى تتعرّف على حقيقتها.
ووجه آخر في رد احتجاجه بهذه الآية، وهو أن الآية عامة وليست مخصوصة بأمة محمّد صلى الله عليه وسلم، أفيمكن لأحد أن يقول: إن مما أخذ الله على الأنبياء جميعًا وعلى أممهم موالاة أهل البيت؟ نعم، هذا ما يقوله هذا الموسوي وأشباهه، كما سيأتي احتجاجه على ذلك من فهمه لبعض الآيات والآثار، وهو قول باطل، وكذبه أبين من أن يحتاج إلى رده، فكأنهم يقولون: إن الله سبحانه وتعالى ما خلق الخلق جميعًا إلا لأجل عليّ وآل البيت، وما كلف خلقه أعظم من موالاتهم، بل قد صرح هذا الموسوي -كما سيأتي بعد قليل- بأن الله ما بعث الأنبياء إلا بولايتهم، وأنّ العهد الذي أخذه الله من بني آدم إنما هو بولايتهم، وهذا قول من أعرض عن شرع الله وعن توحيده وعبادته وعن اتباع رسله، ألم يقل الله تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ) [الذاريات:56] ، وهذا الرجل يقول: لا بل ليوالوا أهل البيت.. ألم يقل الله تعالى: (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ) [النحل:36] ؟ وهذا الموسوي يقول: بعث الله في كل أمة رسولًا بولاية عليّ وأهل البيت، فهو ممن حقّت عليه الضلالةُ، كما قال الله تعالى بعدها: (( فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) ) [النحل:36] وقال: (( إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) ) [النحل:37] .
ثم ألم يقل الله تعالى: (( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) ) [الأعراف:172] وهذا الموسوي يقول: أخذ الله من بني آدم العهد بولاية علي وأهل البيت -كما سيأتي- وهذا والله هو التحريف بعينه لكتاب الله، وهو ما لم تستطعه في القرآن حتى اليهود والنصارى.
(1) المنتقى) (ص:441-442) .