فهرس الكتاب
وها هو يستبدل كل آية فيها ذكر لتوحيد الله سبحانه وعبادته واتباع رسله، يستبدل كل ذلك بولاية علي وأهل البيت، فهو يتخذهم أربابًا من دون الله، ويحكم ببطلان عمل كل من لم يوالهم مهما كانت صلاته وصيامه وعبادته كما صرح به فيما مضى من كلامه ورددنا عليه، وإنما ذكرت ما ذكرت من أقواله الباطلة المنكرة حتى يتبين لكل مسلم حقيقة مذهبه واعتقاده.
والخلاصة في ذلك أنا نقول: لو أن يهوديًا أو نصرانيًا سمع كلامهم هذا وتعظيمهم لعليّ وأهل البيت؛ لقال: بأن عليًا عندهم هو رسول الله وليس محمّدًا، أو على الأقل لسألهم: لِمَ لم يكن عليّ رسولَ الله؟ ففي كل ما سبق من الآيات لم يذكروا محمّدًا صلى الله عليه وسلم، وحتى هذا وإن كان باطلًا، لكنّهم لم يذكروه بل ذكروا عليًا وأهل البيت، وعندهم ولاية علي وأهل البيت أهم من عبادة الله وتوحيده، لذلك أرسل الله بها الرسل، وأنزل بها الكتب -كما زعموا- وعنها يُسأل الناس يوم القيامة. وصدق الله العظيم إذ يقول: (( أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [الفرقان:43] (( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أكثرهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) ) [الفرقان:44] .
وأما معنى (الأمانة) في الآية فقد فسرت بالفرائض، يعني أداء الفرائض، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدّوها أثابهم وإن ضيّعوها عذّبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله تعالى: (( وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) ) [الأحزاب:72] أي غرًا بأمر الله. رواه ابن جرير في (تفسيره) (22/54) ، وذكره ابن كثير أيضًا، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد أن الأمانة هي الفرائض، وقال الآخرون: هي الطاعة، وروي ذلك عن ابن عباس أيضًا قال: يعني بالأمانة الطاعة التي عرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحمّلها، فذلك قوله تعالى: (( وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) ) [الأحزاب:72] . وكذا قال مقاتل بن حيان: إن الأمانة هي الطاعة. وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود (1) . وقال ابن كثير (3/522) : (وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضععفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله، والله المستعان) اهـ.
قلت: هذا هو معنى الأمانة في الآية، فلا تبقى بعد ذلك أية حجة له في استشهاده بها، خصوصًا بعد ما بينا عدم مساعدة لفظ الآية وموضوعها على ذلك أولًا، ومجيء تفسيرها عن الصحابة والتابعين بخلاف ذلك ثانيًا. والحمد لله رب العالمين.
قوله: (ألم تكن من السلم الذي أمر الله بالدخول فيه فقال:(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) ) [البقرة:208] ) وعزاه في الهامش (23/65) إلى البحريني في (غاية المرام) من اثني عشر حديثًا من صحاحهم في نزولها بولاية علي والأئمة من بنيه. وهو كذب لا شك فيه، ولا يستحي هذا الرجل من مثل هذا الكذب، ثم إن كان في صحاحهم فما وجه الحجة فيه على أهل السنة يا هذا؟ والتفسير علم فنقول: إنما يؤخذ من أربابه، ولو كان صادقًا في دعواه لساق طريقًا واحدًا صحيحًا في ذلك، ثم كيف يقال: ادخلوا في ولاية علي وأهل البيت؟! ولو كان ذلك المراد صحيحًا لقال: تمسّكوا بولايتهم، أو ما شابه ذلك، أما قوله: ادخلوا في ولايتهم فمعناه صرتم منهم، وهذا خطأ يتنزه عنه كلام الله تعالى، ثم هذه كتب التفسير جميعًا تحكي خلاف ذلك، وهي أكثر عددًا وأصحّ طريقًا، قال العوفي عن ابن عباس في قوله: (( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ) ) [البقرة:208] يعني الإسلام. وكذا قال مجاهد وطاووس والضحاك وعكرمة وقتادة والسّدي وابن زيد. وروي عن ابن عباس أيضًا من طريق الضحاك في قوله (( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ) ) [البقرة:208] يعني الطاعة. وبه قال أبو العالية والربيع بن أنس، وقال قتادة: يعني الموادعة (2) .
(1) راجع هذه الآثار في (تفسير الطبري) و (تفسير ابن كثير) .
(2) راجع هذه الآثار في (تفسير الطبري) (2/51-52) (تفسير ابن كثير) (1/248) .