فهرس الكتاب
وعن ابن عباس قال: يعني مؤمني أهل الكتاب فإنهم كانوا مع الإيمان مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) ) [البقرة:208] الآية، والصحيح الأول، وهذا وإن كان لا يثبت عن ابن عباس إلا أنه أحسن حالًا مما زعمه هذا الموسوي وله وجه أقرب في الاية، وهو أيضًا ما رواه ابن جرير عن عكرمة في سبب نزول هذه الآية، انهم مؤمنو أهل الكتاب، ومنهم عبد الله ابن سلام، ولكنّه غير صحيح، والمقصود أنهم كعادتهم يذكرون كل ما جاء في سبب نزول هذه الآيات ما صحّ منها وما لم يصحّ، ومع ذلك لم يذكر أحد منهم ما زعمه هذا الموسوي، فعلم بذلك كذبه.
قوله: (أليست هي النعيم الذي قال الله تعالى:(( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ ) ) [التكاثر:8] .
وادعى في الهامش (24/65) وجود عدة طرق في ذلك من صحاحهم -زعم- ومن طريق أهل السنة، وهي دعوى كسابقاتها لا تخلو من تدليس وغشّ، بل وكذب وافتراء، ثم انظر إلى هذا التناقض في استشهاده، فمرّةً يقول: إنها الأمانة المذكورة في الآية السابقة، ومرة يقول: إنها النعيم، فبالله عليك إن كانت ولايتهم نعيمًا فلم أعرضت عنها السموات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها وأشفقن منها؟ مع العلم أن الله سبحانه وتعالى لم يُعب ذلك عليهم ولم يوبخهم عليه، ولو كانت ولايتهم نعيمًا -كما زعم- لاقتضى ذلك جهلهم وعيب الله لهم بذلك، بل أكثر من هذا وصف الله الإنسان بالجهل والظلم حين رضي بالأمانة، فإن كانت هي ولايتهم وهي النعيم أفيصحّ أن يصف الله سبحانه الإنسان بالجهل والظلم حين يرضى بالنعيم؟
فبالله ماذا يفعل الجهل بأصحابه، وكيف يفضحهم؟!
ثم هذه كتب التفسير عمومًا وكتب أسباب النزول؛ ككتاب الواحدي، وكتاب السيوطي، وغير ذلك من الكتب التي تروي الصحيح وغيره، بل بعضها فيها حتى الموضوع، ومع ذلك ليس في أي منها أي ذكر لما ادعاه مما يؤكد بطلانه.
بل رووا أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تكاثروا في عددهم من الأحياء، ثم ذهبوا إلى المقابر فتكاثروا بها، فنزلت (( أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ ) ) [التكاثر:1] الآيات، رواه ابن أبي حاتم عن بريدة (1) .
وقيل: نزلت في حيين من قريش (2) . وهذه الآثار وإن كانت لا تثبت إلا أنها أحسن حالًا مما ادعاه. وروى الترمذي (4/218) ، وابن جرير في (تفسيره) ، وابن أبي حاتم (3) عن علي رضي الله عنه قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: (( أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ ) ) [التكاثر:1-2] وقال التزمذي: حديث غريب.
قلت: والسورة مكية، وقد نزلت جملةً واحدة، ولا يمكن تقطيعها وجعل بعضها خاصًا في سبب معيّن. والصحيح أن معنى قوله تعالى: (( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ ) ) [التكاثر:8] أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك ما اذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مرة رطبًا وشرب ماءً ومعه أصحابه -أبو بكر وعمر- وكان قد أخرجهم الجوع، فقال: (لتسألن عن هذا يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم) . أخرجه الإمام أحمد (3/338، 351، 391) ومسلم (2038) والنسائي (6/246) ، والطبراني في الكبير (567، 568، 569، 570، 571، 572) ، وابن جرير (30، 285-287) ، وابن أبي حاتم، وأبو يعلى (4) عن عدد من الصحابة -ابن عباس وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب- فهذا تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الآية وبيان المراد منها، قارن معه ما ادعاه هذا الموسوي في هذه الآية.
وأصرح من ذلك ما أخرجه الإمام أحمد (1/164) ، والترمذي (4/218) ، وابن ماجة (4158) عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير لما نزلت (( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ ) ) [التكاثر:8] ^ قالوا: يا رسول الله! أي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: (إن ذلك سيكون) ، وقال الترمذي: حديث حسن.
قوله: (ألم يؤمر رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم بتبليغها؟ ألم يضيق عليه في ذلك بما يشبه التهديد من الله عزّ وجلّ حيث يقول:(( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ) ) [المائدة:67] .
ألم يصدع رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم بتبليغها عن الله يوم الغدير، حيث هضب خطابه وعب عبابه، فأنزل الله يومئذ: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا ) ) [المائدة:3] اهـ.
(1) ابن كثير (4/544) ، وأسباب النزول للسيوطي (ص:183)
(2) كما عند الواحدي (ص:341) .
(3) ابن كثير) (4/545) .
(4) ابن كثير) (4/545-546) .