فهرس الكتاب
قلت: استشهاده بهاتين الآيتين نقله من كلام سلفه ابن المطهر الحلّي مع الآيتين الآتيتين، وهما قوله تعالى: (( اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ ) ) [الأنفال:32] الآية، وقوله تعالى: (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) ) [المعارج:1] وهو يريد بذلك -كما هو صريح كلام ابن المطهر- أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ببيان ولاية عليّ بقوله: (( بَلِّغْ مَا أنزل إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ) [المائدة:67] فلما نزلت هذه الآية خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم بذلك، فحينئذٍ نزلت: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) ) [المائدة:3] الآية. وهذا من أعظم الكذب والافتراء على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ما لم يقل به عالِم، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) (4/10) ، وبين كذب هذه الرواية مما جاء في تفسير الثعلبي وكتاب أبي نعيم، وهما اللذان أشار اليهما هذا الموسوي في الهامش (25/65) في بيان سبب نزول قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنزل إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ) [المائدة:67] ونحن نجزم أنه نقل ذلك من سلفه ابن المطهر الحلي ولم ينقله مباشرة من تلك الكتب وإلا فليذكر لنا موضعه إن كان صادقًا، وكذلك بين شيخ الإسلام كذب هذه الرواية في تفسير النقاش وقال (1) : (وفي كتاب أبي نعيم والثعلبي والنقاش من الكذب ما لا يعدُ) .
وقد نقلنا فيما سبق من كلام شيخ الإسلام لهم فيما يرويه أمثال الثعلبي وأبي نعيم والنقاش هل يقبلونه مطلقًا؟ فان في هذه الكتب من فضائل الشيخين- أبي بكر وعمر- جملة كثيرة من الصحيح وغيره مما ينغّص عليهم أخذهم بها، بل مما يبين أنهم ينتقون من الأخبار ما يوافق هواهم.
بقي في الهامش (25/65) مما عزا إليه سبب نزول هذه الآية الواحدي، وقد قال: (أخرجه غير واحد من أصحاب السنن كالإمام الواحدي في سورة المائدة من كتاب أسباب النزول عن أبي سعيد الخدري....) .
وهو ما يبين جهله بكتب الحديث، فليس كتاب الواحدي من كتب السنن حتى يجعله مثالًا لها، أو أنه فعل ذلك عمدًا تدليسًا وإخفاءً للحقيقة. وهذا الذي ذكره أخرجه الواحدي (ص:150) من طريق علي بن عابس عن الأعمش وأبي حجاب عن عطية عن أبي سعيد. ولا شك في وضعه وهو بهذا الإسناد، فعطية هذا هو ابن سعد العوفي، وإضافة إلى ضعفه فإنّه كان يأتي الكلبي -وهو محمّد بن السائب الكلبي وكان كذّابًا يضع الحديث، وقد مر ذكره- ويأخذ عنه الحديث والتفسير ويكنيه أبا سعيد، وقال له مرة: كنيتك أبا سعيد، فيذكره ويوهم أنه يريد أبا سعيد الخدري، كما اغتر به هذا الموسوي (2) . أبعد هذا يطمئن منصف لمثل هذا الإسناد؟ ثم إن علي بن عابس الرواي عن الأعمش ضعيف أيضًا، قال ابن حبان: فحش خطؤه فاستحق الترك اهـ. وطريق الأعمش عن عطية العوفي هذا هو أحد طريقي أبي نعيم- كما ذكره هذا الموسوي في الهامش- فلا يصح الحديث بمثله إذًا.
واما عن سبب نزول الآية الاخرى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) ) [المائدة:3] الآية، وأن ذلك كان بعد الغدير فلا يلزمنا ما نقله في الهامش (26/66) عن الباقر والصادق؛ فإنهما غير معصومين عندنا، وقولهما هذا يحتاج -كما قلنا مرات عديدة- إلى صحة نسبته إليهما أولًا، ثم إلى إصابتهما الحق في ذلك ثانيًا، خصوصًا وأنهما لم يشهدا حجة الوداع ولا غيرها، ولم يدركا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يمكن الأخذ بقولهما؟ وهم يعيبون على بعض الصحابة كثرة رواياتهم للأحاديث بدعوى أنهم لم يعاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم الا مدة يسيرة، فكيف جاز لهم الوثوق برواية الباقر والصادق وهما ليسا صحابيين بالإجماع؟ أما إن كان الباقر والصادق يذكران ذلك بروايتهما عمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فينبغي لنا إذًا أن ننسبه إلى راويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا إليها -وهذا ما لا يحدث هنا- ثم ننظر في إسناده أيضًا، هذا هو صنيع أهل العلم بالأخبار، بخلاف غيرهم من أهل الجهل والضلال والأهواء.
وما ذكره في سبب نزول هذه الآية وعزاه لأهل السنة لم يذكر من أخرجه صريحًا، ولا أظنه يعني إلا ما ذكره سلفه ابن المطهر الحلي من رواية أبي نعيم بإسناده إلى عطية العوفي عن أبي سعيد، وقد تقدم حال عطية هذا مع أبي سعيد، وقال شيخ الإسلام ردًّا على ابن المطهر في هذا الحديث (3) : (وهذا من الكذب باتفاق أهل المعرفة بالموضوعات، وقد ثبت أن الآية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو واقف قبل يوم الغدير بسبعة أيام، ثم ليس فيها دلالة على علي رضي الله عنه ولا على إمامته) اهـ.
(2) انظر ترجمته في (الميزان) و (تهذيب التهذيب) وغير ذلك.
(3) المنتقى) (443) .