الصفحة 59 من 366

قلت: أما نزول الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة فهذا ثابت كما قال شيخ الإسلام، رواه الإمام أحمد (1/28) ، والبخاري (45) ، ومسلم (3017) ، والترمذي (4/95-96) ، والنسائي (8/114) ، وابن جرير (6/52-53) ، وابن مردويه (1) عن عدد من الصحابة، منهم: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس والصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنهم أجمعين، ورسله أيضًا الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب، وغير واحد من الأئمة والعلماء -كما قال الحافظ ابن كثير في (تفسيره) (2/14) - ونحن نلزمهم الحجة بمذهبهم بقول علي رضي الله عنه وقول ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا (2) . (وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم حين قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه. ثم رواه عن أبي هريرة، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يعني مرجعه عليه السّلام من حجة الوداع، ولا يصح لا هذا ولا هذا) اهـ. والحمد لله الذي أبان الحق وأزال الريب.

هذا وقد ذكر في سبب نزول قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنزل إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ) ) [المائدة:67] حوادث أخرى أصح مما زعمه الموسوي ذكرها أصحاب التفاسير وأسباب النزول كالواحدي والسيوطي، فأعرض عنها الموسوي بحثًا عما يوافق هواه.. ثم إن هذه الآية وإن كانت من المائدة إلاّ أنها نزلت متقدمة قبل يوم الغدير بمدة، ألا ترى أن في سياقها: (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ) ) [المائدة:67] وهذا شيء كان في أوائل الإسلام كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (3) .

قوله: (ألم تر كيف فعل ربك يومئذ بمن جحد ولايتهم علانية وصادر بها رسول الله جهرة، فقال:(( اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) [الأنفال:32] ، فرماه الله بحجر من سجيل كما فعل من قبل بأصحاب الفيل، وأنزل في تلك الحال: (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) ) [المعارج:1-2] ). وقال في الهامش (27/66) : (أخرج الإمام الثعلبي في تفسيره الكبير هذه القضية مفصلة، ونقلها العلامة المصري الشبلنجي في أحوال علي من كتابه(نور الأبصار) فراجع منه (ص:71) ، والقضية مستفيضة، ذكرها الحلبي في أواخر حجة الوداع من الجزء (3) من سيرته، وأخرجها الحاكم في تفسير المعارج من المستدرك، فراجع (ص:502) من جزئه الثاني) اهـ.

قلت: هذه القضية التي أشار إليها نقلها بإيجاز من سلفه ابن المطهر الذي عزاها لتفسير الثعلبي، ونحن ننقل لك نصّها فيما جاء به ورد شيخ الإسلام ابن تيمية عليها (4) قال ابن المطهر: (ومن تفسير الثعلبي قال: لما كان يوم غدير خم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي، فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فشاع ذلك وطار في البلاد، وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى رسول صلى الله عليه وسلم فأناخ بالأبطح فنزل وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ملأ من أصحابه فقال: يا محمّد! أمرتنا بالشهادتين وبالصّلاة والزكاة والصّيام والحج فقبلنا منك، ثم لم ترض حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فإن كان هذا من الله فحدثنا، فقال: أي والله من أمر الله، فولى الحارث وهو يقول: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله، وأنزلت:(( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) ) [المعارج:1] اهـ. وهذا أعظم كذبًا وفريةً من الأول. وقال شيخ الإسلام (5) : (ثم هذا الحديث كذب باتفاق أهل الحديث، ولهذا لم يُروَ في شيءٍ من كتب الحديث المرجوع إليها، وإنما يجوز صدقه من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان على مذهب أحد الأربعة، وإن أبا حنيفة ونحوه كانوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم، أو كما تظن طائفة من التركمان أن حمزة له مغازٍ عظيمة وينقلونها بينهم، وحمزة ما شهد إلا بدرًا واستشهد يوم أحد..) إلى آخر كلامه، ثم قال (6) : (واتفق الناس على أن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بغدير خم كان مرجعه من حجة الوداع، ألا ترى أن الشيعة تجعل يوم ثاني عشر ذي الحجة عيدًا؟ فبعد ذلك لم يرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة) اهـ.

(1) تفسير ابن كثير) (2/13) .

(2) الأول رواه ابن مردويه كما في (تفسير ابن كثير) (2/13) . والثاني رواه ابن جرير (6/53) - وقال الإمام ابن كثير (2/14) .

(3) المنتقى) (ص:490) .

(4) انظر (المنتقى) (ص:439-440) .

(5) المنتقى) (442) .

(6) ص:443).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت