فهرس الكتاب
قلت: لعلّ شيخ الإسلام يعني يوم ثامن عشر من ذي الحجة وليس ثاني عشر، فإن خطبة الغدير كان يوم ثامن عشر من ذي الحجة، كما بينه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/208) ، والحلبي في (سيرته) (3/309) وقال: (وقد اتخذت الروافض هذا اليوم عيدًا، فكانت تُضرب فيه الطبول ببغداد في حدود الأربعمائة في دولة بني بويه) اهـ. وقد جعلوا من يوم الغدير أعظم الأيام؛ فهو عيد الله الأكبر -فيما يزعمون- وأعظم حرمة وأشرف من الأضحى والفطر، ووضعوا لذلك الأحاديث على لسان الأئمة، من ذلك أن عبد الله سُئل هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟ قال: نعم أعظمها رحمة، قيل: وأي عيد هو؟ قال: اليوم الذي نصب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا. وعنه أيضًا: صيام يوم الغدير يعدل صيام عمر الدنيا، وصيامه يعدل عند الله عزّ وجلّ في كل عام مائة حجة ومائة عمرة وهو عيد الله الأكبر، وما بعث الله نبينًا إلا وتعيد في هذا اليوم وعرفه، حرمته، من صَلّى فيه ركعتين عدلت عند الله مائة ألف حجة ومائة ألف عمرة، ومن أفطر فيه مؤمنًا كان كمن أطعم فيامًا وفيامًا وفيامًا، وعد إلى العشرة (الفيام مائة ألف) وكان له ثواب من أطعم بعددها من النبيين والصديقين والشهداء، لعلك ترى الله عزّ وجلّ خلق يومًا أعظم حرمة منه، لا والله لا والله (1) . وقد أشار شيخ الإسلام إلى أوجه رد هذه القصة من جهة متنها (2) ، بعد أن بين أنّ إسنادها لا يصح وهو مكذوب، ونحن نذكرها بتصرف.
الوجه الأول: ما ورد فيه أنّ الحارث جاءه وهو بالأبطح، والأبطح بمكة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يوجد في الأبطح ولا في مكة في ذلك الوقت ولا بعده إلى أن لقي الله تعالى، وغدير خم الذي كانت عنده الخطبة يقع بين مكة والمدينة قريب من الجحفة، كما في البداية والنهاية (5/208) ، وبين ابن كثير سبب هذه الخطبة فقال: (فبين فيها فضل علي بن أبي طالب، وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورًا وتضييقًا وبخلًا والصواب كان معه في ذلك، ولهذا لما تفرغ عليه السّلام من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ، وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء، وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه) اهـ.
ثم ساق ابن كثير طرق هذا الحديث وتكلم عليها، وبين أنه لاحظ للشيعة فيه ولا متمسك لهم ولا دليل. وذكر نحو كلام ابن كثير هذا الحلبي في (السيرة الحلبية) (3/308) ، ثم رد على احتجاج الشيعة به على إمامة عليّ رضي الله عنه من عدة وجوه، وقد أشار هذا الموسوي إلى الحلبي في سيرته في الهامش (27/66) ، وأنه ذكر تلك القصة المكذوبة السابقة الذكر، لكنّه لم ينقل كلامه هذا ورده عليهم، وأعظم من ذلك لم ينقل تكذيب الحلبي لتلك القصة متابعًا في ذلك للذهبي، إذ قال الحلبي (3/309) : (قال الحافظ الذهبي: هذاحديث منكر جدًا قال الحلبي: أي: بل كذب) اهـ. وهذا مما يؤكد ما قلناه عنه مرارًا أنه ينتقي من الكتب ما يوافق هواه، دون الاعتماد على أصول علمية صحيحة وهذا هو الفارق بين أهل العلم وأهل الجهل، كما بيناه سابقًا.
والسبب الذي أشار إليه ابن كثير والحلبي والذي من أجله خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في غدير خم، وقال ما قال، جاء مصرحًا به في رواية ابن إسحاق (3) : أن عليًا رضي الله عنه لما قدم من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على جنده الذين معه رجلًا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل، فقال: ويلك! ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انزع قبل أن ينتهي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنتزع الحلل من الناس فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم (4) .
ولهذه القصة طرق أخرى، وفي معظم أحاديث خطبة الغدير أنها كانت في الطريق بين مكة والمدينة مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، وهي وإن كانت وصاية عامة بعلي وأهل البيت رضي الله عنهم أجمعين إلا أن لها سببًا وهو ما يمنع احتجاجهم بها على إمامة علي، بالإضافة إلى عدم مساعدة لفظها على ذلك فيما سنبينه إن شاء الله.
(1) انظر لهذه الأقوال: الحر العاملي (وسائل الشيعة) (5/224) (7/323) .
(2) منهاج السنة) (4/13) .
(3) سيرة ابن هشام) (4/250) .
(4) وانظر أيضًا البداية والنهاية (5/208-209) .