فهرس الكتاب
الوجه الثاني: قوله ونزلت: (( سَأَلَ سَائِلٌ ) ) [المعارج:1] وهي مكية بالاتفاق، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) ) [المعارج:1] قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة، أخرجه النسائي وابن أبي حاتم (1) .
الوجه الثالث: قوله تعالى: (( قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) [الأنفال:32] أخرج البخاري (4648) عن أنس أنها نزلت في قول أبي جهل: (( قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ... ) ) [الأنفال:32] فنزل قوله تعالى بها، ثم قال: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ) [الأنفال:33] وأن ذلك نزل عقيب بدر، وكما هو سياق آياتها من سورة الأنفال، وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة المتقدم ذكره (2) ، ولم يذكر واحد منهم ما ادّعاه هذا الموسوي.
الوجه الرابع: قال شيخ الإسلام (3) : (ولو كان هذا المجهول قد نزل عليه حجر فرق هامته وخرج من دبره لكان آيةً من جنس أصحاب الفيل، وذلك مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله) اهـ. قلت: فلما لم يكن له ذكر إلا في هذه الرواية المكذوبة علم بذلك كذبه.
بقي من قوله في الهامش عزو القصة للحاكم في (المستدرك) (2/502) في تفسير سورة المعارج، وهو كذب يعرفه كل من راجع مستدرك الحاكم، ولا يستحي هذا الموسوي من مثل هذا، فليس عند الحاكم هناك سوى ما أخرجه بإسناده عن سعيد بن جبير: (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ) ) [المعارج:1-3] قال: ذي الدرجات، (سأل سائل) قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. اهـ.
فهذا ما أخرجه الحاكم، وهو عين ما رواه ابن جرير في سبب نزول الآية مما أشرنا إليه قبلًا، وليس فيه أي ذكر لعلي رضي الله عنه، ولا أهل البيت أصلًا، ولا أظنه إلا من تخيلات هذا الموسوي أو افتراءاته.
قوله: (وسيسأل الناس عن ولايتهم يوم يُبعثون، كما جاء في تفسير قوله تعالى:(( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) ) [الصافات:24] )اهـ. هذه الآية مكية بالاتفاق، وهي قبل أن تكون لعلي ولاية أصلًا حتى على قولهم، فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نصبه وليًا يوم الغدير بعد حجة الوداع، فكيف يكون هو المقصود في تلك الآية حتى وفق أصولهم؟ وكل ما نقله في الهامش (28/66) في بيان سبب نزول الآية إنما نقله من الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي، الذي اكتفى بذكر ذلك، ولم يبين شيئًا من إسناده ولم يشر حتى إليه، فهذا مما لا تعلم صحته -على فرض وجوده- فلا يحل لأحد أن يحتج بمثل هذا. قال عبد الله بن المبارك: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.. إضافة إلى أن كتاب الديلمي -وهو مسند الفردوس- محشوّ بالموضوعات المكذوبات كما هو معروف عند أهل العلم، وكتاب الواحدي -أسباب النزول- أكثر احتواءً للموضوعات من سابقه، هذا مع العلم أني لم أجد قول الواحدي هذا في كتابه ولا أدري من أين نقله ابن حجر؛ لهذا قلت: على فرض وجوده، ناهيك عن أنه قول الواحدي نفسه ولم يسنده إلى أحد، فلا يساوي في ميزان الحق شيئًا.
ثم إنه قد نقل ابن كثير (4/4) تفسير هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يعني: احبسوهم إنهم محاسبون اهـ. فبطل بذلك احتجاجه بهذه الآية، فليس ما قاله من التفسير بأولى مما نقلناه عن ابن عباس، وهو حبر الامة وترجمان القرآن رضي الله عنه، وهو من أهل البيت. قال شيخ الإسلام (4) : (فانظر إلى سياق الآيات في قريش:(( وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ) ) [الصافات:36] -إلى قوله- (( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأزواجهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) ) [الصافات:22-24] فهذا نص في المشركين المكذبين بيوم الدين، فهؤلاء يسألون عن التوحيد والإيمان، وأي مدخل لحب علي في سؤال هؤلاء؟ اتراهم لو أحبوه مع شركهم لكان ذلك ينفعهم؟ ومعاذ الله أن يفسر كتاب الله بمثل هذا!) اهـ.
(1) انظر (تفسير ابن كثير) (4/418) ، (أسباب النزول) للسيوطي (ص:173-174) ، (أسباب النزول) للواحدي (ص:329) .
(2) أخرجه ابن جرير (9/152) ، وانظر أيضًا (أسباب النزول) .
(3) المنتقى) (ص:443) .
(4) المنتقى) (ص:461-462) .