الصفحة 62 من 366

قوله: (ولا غرو، فإن ولايتهم لما بعث الله به الأنبياء، وأقام عليه الحجج والأوصياء، كما جاء في تفسير قوله تعالى:(( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ) ) [الزخرف:45] . بل هي مما أخذ الله به العهد من عهد: (( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ) [الأعراف:172] كما في تفسير قوله تعالى: (( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) ) [الأعراف:172] ) اهـ.

قلت: قد تقدمت منا الإشارة إلى كلامه هذا، وأنه يريد به أن يبين أن الخلق كلهم ما خلقوا إلا من أجل علي، وأن الفلك لا يدور إلا لأجله وأهل البيت، وهذا القول لا يقوله مسلم في محمّد صلى الله عليه وسلم خير البرية، فكيف يقوله هذا الموسوي في علي وأهل البيت؟ وقد قدمنا أن هذا كلام من أعرض عن توحيد الله سبحانه، ومن أتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحب الله، وها هو كتاب الله بيننا يبطل قول مثل هذا الرجل: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ) [الذاريات:56] .. (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ) [النحل:36] .. (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ) ) [الأنبياء:25] .. (( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ) ) [النحل:2] .

ولا أظن عاقلًا يقول: إن الأمم السابقة وأنبياءها كان عندهم علم عن علي وأهل البيت. بل هذا كلام المجانين!

وما أفسد استدلاله بهذه الآية: (( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ) ) [الزخرف:45] فهو يقتطع من النّصوص ما يريده ويذر الباقي، ويحرف بذلك كلام الله ومراده، ولا أجد له مثلًا إلا كالذي يحتج على تركه الصلاة بقوله تعالى: (( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ) ) [الماعون:4] ولا يكمل الآية، وإليك تمام الآية، قال الله تعالى: (( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) ) [الزخرف:45] فهذا هو تمام الآية، وفيه بيان المراد من السؤال، وهو القضية العظمى التي بعث الله من أجلها الرسل وأنزل الكتب، ألا وهي عبادة الله وحده لا شريك له، لكن هذا الرجل يحرفها ويجعلها موالاة علي وأهل البيت، فأين هذا من هذا؟!

وكل ما ذكره في الهامش (29/66) تخريجا لقوله إنما هو كذب لا شك في ذلك، لذلك تراه قد ساقه بشكل مبهم جدًا ولم يذكر اي موضع له، كعزوه لأبي نعيم في (الحلية) ، وكتاب الحلية في أحد عشر مجلدًا فضلًا عن احتواءه الصحيح والمكذوب، فكيف يصح مثل هذا التخريج؟ ولا شك في بطلان أي أثر أو حديث في تفسير الآية بما ذكره؛ لما قدمنا من سياق الآية وتمامها. واجعل هذا نموذجًا لك لتأخذ فكرة عن طبيعة استدلالاته التي ادعى أنها (بدليل لا يترك خليجة، وبرهان لا يدع وليجة) كما قال في مقدمة كتابه (ص:35) ، ولم يكتف بذلك، بل قال: (وعنيت بالسنن الصحيحة، والنّصوص الصريحة) ولا أظنه يعني إلا كتابا آخر غير هذا، فلم أجد في كتابه هذا أيّ رائحة لما يقول.

وأما استدلاله بقوله تعالى: (( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) ) [الأعراف:172] فأبطل من سابقه، ألا ترى قوله: (( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) ) [الأعراف:172] فلم يذكر فيه نبيًا ولا وليًا ولا أميرًا، فهو ميثاق التوحيد خاصة -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (1) - ويؤيده أنه قال بعده: (( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ) ) [الأعراف:173] فهو الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم جميعًا لتوحيده خاصة، حتى إنه ليس فيه ميثاق النبوة -كما قلنا- فكيف بما دونها مما يزعمه هذا الموسوي عن ولاية علي وأهل البيت؟!

وقوله في الهامش (30/67) : (يدلك على هذا حديثنا عن أهل البيت في تفسير الآية) اهـ. لا أراه يعني إلا ما ذكره سلفه ابن المطهر الحلي وعزاه للفردوس -وهو كتاب الديلمي- عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس متى سمي علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله، سمي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد، قال الله:(( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) ) [الأعراف:172] قالت الملائكة: بلى، فقال تعالى: أنا ربكم ومحمّد نبيكم وعلي أميركم) اهـ.

(1) المنتقى) (ص:485) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت