الصفحة 86 من 366

فعند ذلك أمن، وكان أولًا يحرس حتى نزلت هذه الآية: (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ) ) [المائدة:67] ولم يكن أحد في بني هاشم إذ ذاك أشد إيمانًا وأيقانًا وتصديقًا لرسول الله صَلّى الله عليه وسلّم من علي رضي الله عنه) اهـ.

ومثل لفظ حديث ابن أبي حاتم هذا في عدم دلالته على ما زعمه هذا الموسوي، أخرج الإمام أحمد في (مسنده) (1/111) هذه القصة بلفظ مختصر، وفيه قوله صلّى الله عليه وسلّم: (من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي) وأيضًا ليس في لفظه ما يؤيد ما ادعاه من الوصاية والإمامة العامة والوراثة على فرض صحته وثبوته، فإنّه من طريق شريك القاضي، عن الأعمش، عن المنهال عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي. وهذا إسناد ضعيف جدًا لا يغني شيئًا فشريك القاضي مع أنه ثقة في نفسه إلا أنه سيء الحفظ جدًا لا يحتج بما انفرد به، والأعمش مدلّس وقد عنعنه في هذا الإسناد أيضًا، وعباد بن عبد الله الأسدي ضعيف الحديث كما قال ابن المديني. وقال البخاري: فيه نظر. ومتابعة شريك لعبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش هنا لا تغني شيئًا فضلًا عن ظهور علة أخرى في الإسناد وهي ضعف عباد بن عبد الله الأسدي. أيقول هذا رغم أن هذا الحديث لو ثبت فليس في لفظه أي شيء مما ادعاه هذا الموسوي وأشياعه، من الوصاية لعليّ، ووراثته للنبي صلّى الله عليه وسلّم كما بيناه سابقًا؟ ويكفي أن اللفظ الوحيد لهذا الحديث الذي فيه التصريح بالوصاية لعلي ووراثته وخلافته للنبي صلّى الله عليه وسلّم من بعده لم يُروَ -كما قلنا- إلا من طريق ذلك الكذاب عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم.

وقد ذكر هذا الحديث أيضًا الهيثمي في (مجمع الزوائد) (8/302-303) ، وقال: (رواه البزار واللفظ له وأحمد باختصار والطبراني في الأوسط باختصار أيضًا، ورجال أحمد وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير شريك وهو ثقة) اهـ. قلت: والإسناد الذي أشار اليه هو نفسه الذي ذكرناه، مع العلم أن لفظه عند البزار لا يدل أيضًا على مطلوبه، إذ فيه: (أيّكم يقضي عني ديني؟) فقط دون الألفاظ الأخرى، فحتى لو صحّ ما دل على ما ادعاه هذا الموسوي.

وذكر الهيثمي أيضًا (9/113) لفظ حديث أحمد السابق وقال: (وإسناده جيد) ، وهو غير جيد لما قدمنا من الضعف في إسناده، وحتى لو أغمضنا العين عن شريك القاضي والأعمش؛ فإن عباد بن عبد الله الأسدي ضعيف كما قال الحافظ في التقريب، معروف بضعفه، فمن أين أتت الجودة لهذا الإسناد؟ مع أن في ثبوته ما لا يضير؛ لعدم مساعدة لفظه على دعوى الموسوي.

لكن عباد بن عبد الله الأسدي هذا قد تابعه عن علي ربيعة بن ناجذ عند الإمام أحمد (1/159) بلفظ مختصر أيضًا، وهو: (فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟) ، وهو لا يفرح به، فربيعة هذا أشدّ ضعفًا من عبّاد، قال الذهبي في (الميزان) : لا يكاد يعرف. وأشار إلى حديثه هذا وقال: خبر منكر. وقال في (المغني) أيضًا: فيه جهالة. قلت: وجهالته وعدم معرفته؛ لأنه لم يرو عنه سوى راوٍ واحد وهو أبو صادق الأزدي -قيل: إنه أخوه- فلا يكفي ذلك في معرفته وتوثيقه، إذ رواية الواحد لا ترفع جهالة العين فضلًا عن جهالة الحال، سوى عند ابن حبان والعجلي فإنهما يكتفيان للتوثيق برواية واحد فقط، وهو تساهل كبير منهما، وقد وهم أيضًا الحافظ في التقريب بتوثيق ربيعة هذا، فليس له مستند في ذلك سوى ابن حبان والعجلي، مع أنه قد خالف بذلك قاعدة مهمة من القواعد التي بينها في مقدمة التقريب، فقال عن المرتبة التاسعة من مراتب الجرح والتعديل: (من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق وإليه الإشارة بلفظ مجهول) اهـ.

قلت: وقد جعل هذه المرتبة دون مرتبة (الضعيف) التي هي الثامنة بدءًا من الأخف. وهذه أوصاف تنطبق تمامًا على رواينا هذا ربيعة بن ناجذ، وتوثيق ابن حبان والعجلي لا يعتبر هنا؛ لأنه مستند أساسًا إلى رواية واحد فقط، فلا يمكن اعتباره شرطًا منفصلًا كما هو في التعريف.

وعلى كل حال فربيعة هذا مجهول، وهي جهالة أشد من ضعف عباد بن عبد الله الأسدي الذي قال عنه ابن المديني: ضعيف الحديث.

وضعفه أيضًا الحافظ في التقريب. فلا أظن هذا الإسناد يصلح شاهدًا لتقوية الأول، بل يزيده ضعفًا، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت