فهرس الكتاب
والقصّة: إنهم يزعمون أن عليًا رضي الله عنه رواها في نزول قوله تعالى: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ) [الشعراء:214] قال: (فجمع رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بني عبد المطلب في دار أبي طالب، وهم أربعون رجلًا وامرأتان، فصنع لهم طعامًا، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق من الشراب، فأكلت الجماعة كلهم من ذلك اليسير حتى شبعوا ولم يتبين ما أكلوا، فبهرهم ذلك وتبين لهم أنه صادق في نبوّته، فقال: (يا بني عبد المطلب! إن الله بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة، فقال:(( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ) [الشعراء:214] وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار، شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني عليه يكن أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي، فقال علي: أنا يا رسول الله) اهـ. وقد رد على ذلك شيخ الإسلام فقال (1) :(والجواب المطالبة بصحة النقل، فلا هو في السنن، ولا في المسانيد، ولا في المغازي، فأين قولك فيه: نقله الناس كافة، وإنما هو من الموضوعات، ثم إن بني عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلًا وقت نزول الآية، ولا كانوا أربعين في حياة الرسول أبدًا، وجميع بني عبد المطلب من أولاد العباس، وأبي طالب، والحارث وأبي لهب، فكان لأبي طالب: علي وجعفر وعقيل وطالب، فطالب لم يدرك الإسلام، والعباس كان أولاده رضّعًا أو لم يولد له. والحارث كان له ثلاثة: أبو سفيان وربيعة ونوفل، وأبو لهب كان له ولدان أو ثلاثة، فكل أولاد عبد المطلب إذ ذاك لم يبلغوا بضعة عشر فأين الأربعون؟
ثم قوله في الحديث: كل رجل منهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن. كذب، ليس بنو هاشم معروفين بكثرة الأكل، بل ولا واحد منهم يحفظ عنه هذا، ثم لفظ الحديث ركيك يشهد القلب ببطلانه، فإنّه عرضه- كما زعمت -على أربعين رجلًا، فلو فرضنا أنهم أجابوه كلهم -قلت: وهو الذي كان يحرص عليه صَلّى الله عليه وسلّم - من الذي يكون الخليفة منهم؟)انتهى كلام شيخ الإسلام، وقد أحسن -جزاه الله خيرًا- في ردّ هذه القصة، وبيان بطلانها من جهة متنها ولفظها وأجمل الردّ من جهة إسنادها، ونحن نفصله بإذن الله فنقول:
أخرجها ابن إسحق، عن عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن عليّ بن أبي طالب، ومن طريق ابن إسحاق هذا أخرجها ابن جرير (19/112-113) ، والبيهقي في (دلائل النبوة) (2/179) وعنه نقلها ابن كثير في (تفسيره) (3/350-351) وفي البداية والنهاية (3/39-40) ، وأخرجها البيهقي أيضًا في (سننه الكبرى) (9/7) . وشيخ ابن إسحاق هنا عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم -الذي قد أبهم في بعض الروايات ولم يصرح باسمه- كذاب، قال ابن المديني: كان يضع الحديث. وقال أبو حاتم والنسائي: متروك، وقال أحمد: ليس بثقة، وكذا قال الذهبي، وقال أبو داود: أشهد أن أبا مريم كذاب. اهـ
والحديث رواه ابن أبي حاتم (2) من طريق عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو به، وفيه أنه قال: (أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي) ، وعبد الله بن عبد القدوس هذا هو الكوفي، قال يحيى بن معين: ليس بشيء رافضي خبيث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة، وضعفه الدارقطني. ثم إن الأعمش مدلّس وقد عنعنه ولم يصرح بالتحديث، لكن الملاحظ في لفظ هذا الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم أنه لم يذكر فيه الخلافة العامة التي تدّعيها الشيعة لعليّ، بل كل ما فيه أنه قال: (يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي) فهو رضي الله عنه خليفته في أهله فقط صَلّى الله عليه وسلّم، وهذا أمر لا ريب في قبوله -مع أن هذا الحديث أيضًا لا يثبت- فعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أفضل من خلف رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم من أهل بيته، وأما لفظ الوصاية والوراثة والخلافة العامة فلم يأت إلا في الحديث السابق، المروي من طريق الكذاب عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم، وهذه عمدة هذا الموسوي وأشياعه الاحتجاج بالكذابين، قال ابن كثير في (التفسير) (3/352) : (ومعنى سؤاله صَلّى الله عليه وسلّم لأعمامه وأولاده أن يقضوا عنه دينه ويخلفوه في أهله، يعني: إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل، فلمّا أنزل الله تعالى:(( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزل إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ) ) [المائدة:67] .
(1) المنتقى) (ص:488-489) .
(2) تفسير ابن كثير) (3/351-352) ، البداية والنهاية (3/40) .