فهرس الكتاب
ومما يدل على ذلك تتمه الآيات بعدها، إذ قال الله تعالى: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ) [الشعراء:214] (( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [الشعراء:215] (( فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) ) [الشعراء:216] فهذا أيضًا من ضمن خطابه وإنذاره لعشيرته الأقربين، بأنهم إن عصوه بعد الإنذار أمره بأن يتبرأ من عملهم، أفيبقى بعد ذلك في هذه الآية أية فضيلة لهم على من سواهم وهو يحذرهم بأن يتبرأ من عملهم إن لم يجيبوه؟ ثم إنا نلمح في قوله تعالى: (( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [الشعراء:215] مباهاة الله بأتباعه صَلّى الله عليه وسلّم عشيرته الأقربين، فهو يأمره بإنذار عشيرته وتحذيرهم من البراءة من عملهم، في الوقت الذي يخفض جناحَه ويلين لمن اتبعه من المؤمنين مهما كانوا، وهذا يشمل جميع الصحابة رضي الله عنهم، وأخصهم ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فعادت من فضائل صحابته على أهل بيته وعشيرته صَلّى الله عليه وسلّم.
وهذه النذارة الخاصة لعشيرته لا تنافي النذارة العامة، بل هي فرد من أفرادها، وفائدة تخصيصهم بالإنذار هنا هو ما سبق بيانه، خشية أن يتكل أحد منهم على قرابته صَلّى الله عليه وسلّم، فأمره الله سبحانه وتعالى أن ينذرهم ويحذرهم، ويبين لهم أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا، وقد كان ذلك فعلًا، فقد أخرج الإمام أحمد (1/281-307) ، والبخاري (6/140، 153، 221) ومسلم (1/194) ، والترمذي (4/220) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عزّ وجلّ: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ) [الشعراء:214] أتى النبي صَلّى الله عليه وسلّم الصفا، فصعد عليه ثم نادى: (يا صباحاه) فاجتمع الناس إليه، بين رجل يجيء إليه ورجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (يا بني عبد المطلب! يا بني فهر! يا بني لؤي! أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدّقتموني؟) قالوا: نعم، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: (( تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وَتَبَّ ) ) [المسد:1] . وفي حديث أخرجه الإمام أحمد (2/360) ، والبخاري (6/140) ، ومسلم (1/192) ، والترمذي (4/158) ، والنسائي (6/248، 249، 250) إن هذه الآية عندما نزلت دعا رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم قريشًا فعمّ وخصّ فقال: (يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم! انقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمّد أنقذي نفسك من النار؛ فإنّي والله لا أملك لكم من الله شيئًا، إلًا أنّ لكم رحمًا سأبلّها ببلالها) وفي رواية أخرى قال: (يا صفية عمة رسول الله! ويا فاطمة بنت رسول الله! اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئًا) .
وقد روى هذا الحديث عائشة رضي الله عنها، وأبو هريرة رضي الله عنه، وقبيصة بن مخارق، وزهير بن عمرو جميعًا رضي الله عنهما، وله طرق أخرى وعن صحابة آخرين: أبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، والبراء، والزبير بن العوّام، وأبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين، وقد ذكرها ومن أخرجها السيوطي في (الدر المنثور) (6/324-327) . فعلى هذا ليس في الآية فضيلة لعليّ وأهل البيت رضي الله عنهم، ولم أتبين ما الذي حمل هذا الموسوي على ذكر هذه الآية في فضائله -أو فضائل علي- حتى رأيت ابن المطهر قد استشهد بها على ذلك، فتبعه خلفه هذا الموسوي.