فهرس الكتاب
وأما تفسيره: (( وَصَدَّقَ بِهِ ) ) [الزمر:33] بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو مروي عن علي رضي الله عنه نفسه، وهو ما يدحض حجته، رواه عنه الطبري (24/3) ، وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (7/228) للماوردي في معرفة الصحابة، وابن عساكر، وفي (تاريخ الخلفاء) (ص:49) للبزار أيضًا، من طريق أسيد بن صفوان -وله صحبة- عن علي بن أبي طالب.
وأما أن احتجاجهم بهذه الآية مما ينقض أصلهم في عصمة علي والأئمة؛ فهذا يتبين من الآيات بعدها، فقد قال الله تعالى: (( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ) ) [الزمر:33-35] وعندهم أنّ عليًا والأئمة معصومون لا يخطئون ولا يعملون سوءًا، إذًا فماذا يكفر الله عنهم؟ ذكر ذلك شيخ الإسلام عن أبي بكر بن عبد العزيز فقال (1) : (وبلغنا عن أبي بكر بن عبد العزيز بن جعفر الفقيه غلام الخلال أنه سئل عن هذه الآية، فقال: نزلت في أبي بكر، فقال السائل: بل في علي، فقال أبو بكر الفقيه: اما بعدها، فقرأ إلى قوله:(( لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ) ) [الزمر:35] فقال: عليّ عندكم معصوم لا سيئة له فما الذي يكفر عنه؟ فبهت السائل) اهـ. ثم قال شيخ الإسلام: (ولفظ الآية عام مطلق دخل في حكمها أبو بكر وعلي وخلق) اهـ.
قلت: لا ريب أن هذا هو الصواب، ولله الحمد.
قوله: (فهم رهط رسول الله المخلصون، وعشيرته الأقربون، الذين اختصّهم الله بجميل رعايته وجليل عنايته فقال: وأنذر عشيرتك الأقربين) .
قلت: لا ريب أنهم رهط رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم المخلصون وعشيرته الأقربون، لكن ذلك لا يعطيهم فضلًا على غيرهم، فأساس التفضيل عند الله التقوى والعمل الصالح لا النسب، كما قال الله تعالى: (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) [الحجرات:13] وقال صَلّى الله عليه وسلّم: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليّيَ الله وصالح المؤمنين) أخرجه الإمام أحمد (4/203) ، والبخاري (8/7) ، وقال صَلّى الله عليه وسلّم يخاطب أهل بيته يحذّرهم من الاتكال على قرابتهم له صَلّى الله عليه وسلّم: (إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نسب أقرب من نسب، فلا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمّد، فأقول هكذا وهكذا: لا، وأعرض في كلا عطفيه) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (921) بإسناد جيد، وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في (السنّة) (213) .
وأما قوله تعالى: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ) [الشعراء:214] فليست كما ادعى هذا الموسوي من اختصاص الله سبحانه لهم بجميل رعايته وجليل عنايته، بل من اختصاصه لهم بالإنذار، كما هو واضح مع كونهم داخلين في الإنذار العام لجميع الناس، وهذه الآية لو احتجّ بها الخوارج على الطعن بآل البيت- مع كونهم مخطئين في ذلك- لكان لهم وجه في ذلك أوضح مما زعمه هذا الموسوي، فهي نظير قوله تعالى: (( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) ) [الأنعام:19] أي كل من بلغه القرآن فهو نذير له، وهذا عام في كل بني آدم. أفتبقى في الإنذار بعد ذلك فضيلة؟ ونظير قوله: (( لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) ) [القصص:46] وقوله تعالى: (( وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) ) [الأنعام:92] وقوله: (( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ) ) [الأنعام:51] وقوله: (( لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ) ) [مريم:97] ، والإنذار في عرف كل بني آدم دليل على التخويف والتحذير والإرهاب، فليس فيه أية فضيلة، بعكس التبشير.
(1) المنتقى) (ص:470) .