فهرس الكتاب
قال شيخ الإسلام في (منهاج السنة) (1) في ردّه على ابن المطهر في هذه الآية: (وهو كذب، والآية عامة في كل من ينفق أمواله، فيمتنع أن يراد بها واحدًا لم يكن صاحب مال، ثم ما نسبته إلى عليّ يمتنع عليه، إذ من فعل ذلك كان جاهلًا بمعنى الآية، فإن الذي ينفق سرًا وعلانيةً ينفق ليلًا ونهارًا، ومن أنفق ليلًا ونهارًا فقد أنفق سرًا وعلانيةً، فالدرهم ينصف نصفين ولا يتحتم أن يكون المراد أربعة دراهم، ولو كان كذلك لقال:(وسرًا) بالواو: (وعلانية) بل هما داخلان في الليل والنهار، سواءً قيل: نصبًا على المصدر، أي: إسرارًا وإعلانًا، أو قيل: على الحال، مسرًا ومعلنًا. وهب أن عليًا فعل ذلك، فباب الإنفاق مفتوح إلى قيام الساعة، فأين الخصوصية؟ ولو كان إنفاق أربعة دراهم خاصًا به فلمَ قلت: أنه صار بذلك أفضل الأمة؟) اهـ.
قلت: وما علاقة إنفاق أربعة دراهم بالإمامة؟ وهل من شروط الإمام أن يملك أو ينفق أربعة دراهم؟ فيا للعجب ما يفعل الجهل بأصحابه! وما أظن عاقلًا يقرأ كلامه هذا حتى يضحك عليه وعلى سخافته ملء فيه! فنحن نناقشه في وجوب تقديم عليّ بالإمامة وهو يناقش بأنه كان يملك أربعة دراهم وقد أنفقها!!
وقد حصل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه من ذلك ما لا يدانيه فيه أحدٌ من الأولين ولا من الآخرين، كما ثبت في (صحيح البخاري) (1/126) ، وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ أمنّ الناس عليَّ في نفسهِ وماله أبو بكر) وفي رواية قال: (إنه ليس من الناس أحدٌ أمنّ عليَّ في نفسهِ وماله من أبي بكر بن أبي قحافة) . وأخرج الإمام أحمد (2/253، 266) ، وابن ماجة (94) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما نفعني مالٌ قطّ ما نفعني مالُ أبي بكر) ، وفي رواية عند الترمذي (4/310) قال: (ما لأحدٍ عندنا يد إلاّ وقد كافأناه، ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ قطّ ما نفعني مالُ أبي بكر...) . وغير ذلك كثير، وليس هذا موضع بسطه، لكننا أحببنا الإشارة إلى ذلك، فأين هذا الفضل العظيم الذي حصل للصديق من أربعة دراهم يزعمون أن عليًا أنفقها؟
وهل تساوى هذه الدراهم الأربعة شيئًا إذا ما قورنت بما أنفقه عثمان رضي الله عنه، وخصوصًا في تجهير جيش العسرة، وهو جيشُ معركة تبوك؟ فقد أخرج الترمذي (4/320) عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: جاء عثمان إلى النبي صَلّى الله عليه وسلّم بألف دينار في كمّه حين جهز جيش العسرة، فنثرها في حجره، قال عبد الرحمن فرأيت النبي صَلّى الله عليه وسلّم يقلبها في حجره ويقول: (ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم) مرتين. فإن كان الفضل والتقدم بما ينفقه الرجل في سبيل الله يكون عثمان رضي الله عنه خيرًا من علي رضي الله عنه؛ بما بين الألف دينارو الأربعة دراهم من الفضل والقيمة.
قوله: (وقد صدقوا بالصدق فشهد لهم الحق تبارك اسمه فقال:(( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ ) ) [الزمر:33] ) وقال في الهامش (52/72) : (الذي جاء بالصدق رسول الله، والذي صدّق به أمير المؤمنين، بنص الباقر، والصادق، والكاظم، والرضا، وابن عباس، وابن الحنفية، وعبد الله بن الحسن، والشهيد زيد بن علي بن الحسين، وعلي بن جعفر الصادق، وكان أمير المؤمنين يحتج بها لنفسه، وأخرج ابن المغازلي في مناقبه عن مجاهد قال: الذي جاء بالصدق محمّد، والذي صدّق به عليّ وأخرجه الحافظان ابن مردويه، وأبو نعيم وغيرهما) اهـ.
قلت: كل ما ذكره في الهامش هراء في هراء، ولو كان صادقًا في ثبوت ذلك عمّن ذكره لساق إسناده أو ذكر من أخرجه على أقل تقدير، كما فعل في قول مجاهد، ثم إن هؤلاء الذين ذكرهم ليسوا حجة عن أهل السنة، فليسوا معصومين عندهم كما هم عند الشيعة، فكيف يحتج بهم عليهم؟ ونحن إذا سقنا لك حديثًا عن أبي هريرة لاعترضتَ بدعوى أنّ أبا هريرة -رضي الله عنه- مطعون به عندكم، فكيف تفعل مثل هذا؟ وإنما هي نصوصٌ لفّقتموها أنتم في كتبكم عن هؤلاء الأئمة، وما انتبهتم أنكم بحملكم هذه الآية على عليّ نقضتم أصلًا من أصولكم، وهو عصمة عليّ والأئمة كما سنبينه.
وما حكاه عن قول مجاهد نقله من سلفه ابن المطهر الذي رد عليه شيخ الإسلام فقال (2) : (قول مجاهد وحده ليس بحجة أن لو ثبت عنه، كيف والثابت عنه خلاف هذا، وهو: إن الصدق القرآن، والذي صدق به من عمل به. ثم ما ذكرت معارض بما هو أشهر منه عند المفسرين، وهو أنّ الذي صدق به أبو بكر الصديق، ذكره ابن جرير الطبري وغيره) اهـ.
قلت: قول مجاهد هذا الذي ذكره شيخ الإسلام هو الثابت عنه، وقد أخرجه الطبري (24/4) ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (7/228-229) لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن الضريس، وابن المنذر، وهو قول قتادة أيضًا.
(1) انظرالمنتقى (ص:475) .
(2) المنتقى) (ص:470) .