الصفحة 81 من 366

وأما قول علي بن الحسين -وهو زين العابدين- الذي أخرجه الحاكم (3/4) فليس فيه أي دليل يلزم به أهل السنة بشيء من ذلك، كما أنه ليس من الصحابة حتى يقبل خبره، وعلاوةً على ذلك فإن إسناده ضعيف لا يثبت عن علي بن الحسين، فهو من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، ثنا قيس بن الربيع، ثنا حكيم بن جبير عن علي بن الحسين. وهذا إسناد مسلسل الضعفاء، فيحيى بن عبد الحميد كان يسرق الحديث فيحدث به وهو ليس من حديثه، كما في ترجمته من التهذيب و (الميزان) ، وقيس بن الربيع سيء الحفظ، وحكيم بن جبير ضعيف متروك، كما في (الميزان) والتهذيب.

وأما سبب النزول الصحيح في هذه الآية: فهو قدوم صهيب مهاجرًا نحو النبي صلى الله عليه وسلم وقد اتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته وأنتشل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش! قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وايم الله لا تصلون إليَّ حتى أرمي بكل سهم من كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي فيه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخلّيتم سبيلي قالوا: نعم.

فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ربح البيع، ربح البيع) ونزلت: (( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) ) [البقرة:207] .

وقد أخرج ذلك الحاكم نفسه في (المستدرك) (3/398، 400) عن صهيب، وأخرجه أيضًا من طريق حماد بن سلّمة عن ثابت عن أنس، وقال: صحيح على شرط مسلم. وهو الذي ذكره الواحدي في (أسباب النزول) (ص:43، 44) ، والسيوطي أيضًا (ص:28) ، وعزاه للحارث بن أبي أسامة في (مسنده) ، ولابن أبي حاتم. وعزاه في (الدر المنثور) (1/575، 576) لابن مردويه وابن المنذر وابن عساكر وغيرهم. وساق ابن كثير في (التفسير) (1/247) إسناد ابن مردويه عن صهيب، وهو إسناد جيد، ورواه أيضًا أبو نعيم في (الحلية) (1/151، 152) ، ورواه الطبراني في الكبير (7289، 7290) مرسلًا عن ابن جريج وعكرمة.

هذا هو سبب النزول الصحيح الثابت لهذه الآية، وهو الذي أخرجه الحاكم نفسه كما سبق، وهو الذي صححه على شرط مسلم، دون الآخر الذي انتقاه هذا الموسوي لا لصحتهِ بل لموافقه هواه ومذهبه، وهذا هو ما نبهنا عليه مرارًا؛ بأن مقياس القبول عنده وعند أمثاله لا صحة الإسناد وثقة الرواة، بل موافقة هواه وما يريد التوصل إليه، وهذا شأن أهل البدع كافة.

قوله: (وقال:(( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أجرهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ) [البقرة:274] وقال في الهامش (51/72) : (أخرج المحدثون والمفسرون وأصحاب الكتب في أسباب النزول بأسانيدهم إلى ابن عباس في قوله تعالى:(( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) ) [البقرة:274] . قال: نزلت في علي بن أبي طالب، كان عنده أربعة دراهم، فأنفق بالليل واحدًا، وبالنهار واحدًا، وفي السرّ واحدًا، وفي العلانية واحدًا، فنزلت الآية. أخرجه الإمام الواحدي في (أسباب النزول) بسنده إلى ابن عباس. وأخرجه أيضًا عن مجاهد، ثم نقله عن الكلبي مع زيادة فيه) اهـ.

قلت: عبارته توحي بأن له طرقًا كثيرة وأنه صحيح، والحق أنه خلاف ذلك كما سنبينه، وهو لم يذكر من مخرجيه سوى الواحدي، وهو قصور منه ناتج عن قلة معرفته بأمهات المصادر.

وقد أخرج قول ابن عباس هذا الواحدي (ص:64) ، والطبراني في الكبير (11164) ، وابن أبي حاتم (1) ، وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (2/100) لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن عساكر، وقد ضعفه في (أسباب النزول) (ص:35) ، وهو حري به؛ فإن طرقه وإن تعددت تجتمع كلها في عبد الوهاب بن مجاهد عن مجاهد عن ابن عباس، وكذا قول مجاهد الذي أشار إليه رواه ابنه عبد الوهاب هذا، وهو متروك كما قال الحافظ في التقريب والذهبي في (المغني) . وقد كذبه سفيان الثوري، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ترك حديثه.

وأما قول الكلبي فقد ذكره الواحدي دون إسناد. وهو لا يغني شيئًا، فإن الكلبي هذا هو محمّد بن السائب، وهو متهم بالكذب، كما في ترجمته من التقريب وغيره. ثم إن الواحدي قد ذكر في كتابه (ص:63) سببًا آخر لنزول هذه الآية، وقد قدمه على هذا، فلِمَ أعرض عنه هذا الموسوي؟ مع أنه أصح منه، وأثبت.

(1) تفسير ابن كثير) (1/326) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت