الصفحة 80 من 366

قوله: (وفي جميل بلائهم وجلال عنائهم قال تعالى:(( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) ) [البقرة:207] ، وقال: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ) [التوبة:111] (( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [التوبة:112] .

وقال في الهامش (50/71) : (أخرج الحاكم في صفحة(4) من الجزء (3) من المستدرك عن ابن عباسٍ قال: شرى علي نفسه ولبس ثوب النبي... الحديث، وقد صرح الحاكم بصحته على شرط الشيخين وإن لم يخرجاه، واعترف بذلك الذهبي في تلخيص المستدرك، وأخرج الحاكم في الصفحة المذكورة أيضًا عن علي بن الحسين قال: إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ بن أبي طالب، إذ بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نقل أبياتًا لعليّ أولها:

وقيتُ بنفسي خير من وطأ الحصا ... ومن طاف بالبيت العتيقِ وبالحجر) اهـ.

قلت: أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [التوبة:111] إلى قوله تعالى: (( وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [التوبة:112] فليست مخصوصةً بعلي رضي الله عنه ولا أهل البيت، فإن لفظها عام لجميع المؤمنين بما وعدهم الله سبحانه به، بل عامّة لكل الأمم ليس فقط أمة محمّد صلى الله عليه وسلم، ألا ترى أنه قال: (( وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ) ) [التوبة:111] وليس هناك ما يؤيد ما ادعاه باختصاصها بهم ونزولها فيهم، حتى ولا في حديث أو رواية موضوعة مكذوبة، لذا تراه لم يُشر إلى أي شيء فيها في الهامش وغيره.

وأما الآية الأولى، وهي قوله تعالى (( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) ) [البقرة:207] فلا يمكن أن يكون سبب نزولها مبيت علي رضي الله عنه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، فإن قول ابن عباس الذي ساقه في الهامش لا يدل عليه، فليس فيه أية إشارة إلى نزول هذه الآية عقب تلك الحادثة، كل ما فيه تشابه في اللفظ مع الآية، أو أن يقال: أن عليًا رضي الله عنه بفعله ذلك ممن تشمله الآية وتنطبق عليه مع غيره من الصحابة، وأخصهم في تلك الآية الصحابي الجليل صهيب الرومي كما سيأتي في ما جاء في سبب نزول هذه الآية.

والأثر الذي ذكره في الهامش عن ابن عباس وعزاه للحاكم (3/4) ليس فيه ذكر للآية ولا ربط بين فعل علي رضي الله عنه ونزول الآية، فيكف يدّعي أنها نزلت فيه، ثم إنه قد كذب في الهامش كذبًا صريحًا ولا يستحي منه حين قال: (وقد صرّح الحاكم بصحته على شرط الشيخين وإن لم يخرجاه، واعترف بذلك الذهبي في تلخيص المستدرك) ، فإن الحاكم لم يقل: صحيح على شرط الشيخين، بل قال -وراجع قوله في (المستدرك) -: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، نعم، لكن ليس على شرط الشيخين. وأهل الجهل بالحديث -كهذا الموسوي- لا يفرقون بين (صحيح الإسناد) وبين (صحيح على شرط الشيخين) .

فالثاني منهما أعلى مرتبةً وأقوى صحةً، وهو ليس متحققًا في إسناد قول ابن عباس هذا، ولا حتى أدنى درجات الصحة لمن نظر في رجال إسناده ولم يغتر بتصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له، فإنّه من طريق كثير بن يحيى عن أبي عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس، وفي هذا الإسناد علتان تمنعان من تصحيحه:

الأولى: كثير بن يحيى عنده مناكير، كما قال الأزدي فيما نقله الحافظ في (تعجيل المنفعة) ، وكان عباس بن عبد العظيم العنبري ينهى الناس عن الأخذ عنه- أي الرواية عنه- لما في رواياته من المنكرات، وقد ذكر ذلك الذهبي نفسه في (الميزان) (3/410) ، فلا أدري كيف غفل عنه هنا!

الثانية: أبو بلج هذا- وهو يحيى بن سليم أو ابن أبي سليم- عنده مناكير أيضًا وبلايا، كما قال الذهبي نفسه في (الميزان) (4/384-385) وساق له بعضها، وقال عنه ابن حبان: كان يخطئ. ومثله قاله الحافظ في التقريب، وقال البخاري: فيه نظر. هذا فضلًا عن أنهما -أعني كثير بن يحيى وأبا بلج- ليس لهما رواية عند البخاري أو مسلم.

فقول ابن عباس هذا مع أنه لا يدل على مطلوبه وليس فيه ذكر الآية، ليس صحيحًا ولا يثبت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت