الصفحة 79 من 366

قلت: ذكره الواحدي (ص:182) لكنّه لم يسنده ولم يبين طريقه ولا من أخرجه، مع أنه قد روى قبل ذلك بالإسناد الصحيح سبب نزول هذه الآية، فأعرض هذا الموسوي عنه إلى ما يوافق هواه، مع عدم وجود دلالة صحيحة تدل على ثبوته، وقول الحسن البصري، والشعبي، ومحمّد بن كعب القرظي هذا أخرجه ابن جرير (10/59-60) وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (4/145) لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وبغضّ النظر عن ثبوته وصحته إلى كل من الحسن، والشعبي، والقرظي، فإنّه لا يصح ولا يثبت الاحتجاج به؛ لأنه مرسل؛ فان كلًا منهم ليس صحابيًا قطعًا، ولم يدرك زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن نزول هذه الآية، حتى يروي هذه القصة، لذا فمن المؤكد أن كلًا منهم أخذ هذه القصة عن رأوٍ آخر، وليس هناك ما يشير إلى أن هذا الراوي صحابي أخذوه عنه حتى نقول بصحته، بل يحتمل أن يكون تابعيًا، وإذا كان كذلك يحتمل أنه أخذه عن صحابي أو تابعي آخر، وعلى احتمال أنه تابعي في كلا الحالتين، فلا بد من معرفة عينه حتى تعرف عدالته وضبطه، وما دمنا نجهل عينه فإنه يستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، كما قال الخطيب في (الكفاية) (ص:287) ، فوجب بذلك كونه غير مقبول، أعني أن الحديث المرسل والرواية المرسلة كروايتنا هذه ضعيفة لا يحتج بها، وإن كان المرسِل ثقة، قال ابن الصلاح في (علوم الحديث) (ص:58) : (وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم) اهـ.

بقيت مسألة واحدة، وهي ادعاء تصحيح هذه الرواية بكثرة الطرق على اعتبار أنه قد أرسلها الحسن البصري والشعبي ومحمّد بن كعب القرظي، وهذه دعوى مردودة؛ لبقاء جهالة الرواة الذين أخذوا عنهم مع تعددهم، وبالتالي بقاء عدم معرفة عدالتهم واحتمال ضعفهم.. هذا أولًا، وثانيًا: من ملاحظة طبقة الحسن البصري والشعبي والقرظي يتبين أنهم من طبقة واحدة وهي الثالثة، وأنهم متعاصرون ومتقاربون في وفياتهم، فالحسن البصري توفي سنة (110) والشعبي قبله بقليل (108) ، والقرظي بعدهما بقليل (117) وهذا يفيدنا أنه من المحتمل -احتمال قوي- أنهم جميعًا أخذوا هذه الرواية عن رأوٍ واحد لا غير، وبالتالي هذا يدحض دعوى تعدد الطرق، وإن كانت هي غير مجزية هنا.

من أجل كل هذا أقطع بعدم صحة هذه الرواية وعدم ثبوتها وبطلان الاحتجاج بها، خصوصًا إذا علمنا بأنها مع ضعفها هذا مخالفة لرواية أصح منها سندًا وأقوى مخرجًا وأكثر طرقًا في سبب نزول هذه الآية، وهو ما أخرجه مسلم في (صحيحه) (3/1499) ، والإمام أحمد (4/269) ، وابن جرير (10/59) ، والواحدي (ص:181-182) وعزاه ابن كثير في (التفسير) (2/342) لابن مردويه، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وكذا السيوطي في (الدر المنثور) (4/144) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وذلك يوم الجمعة- ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله: (( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) ) [التوبة:19] إلى قوله: (( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [البقرة:258] اهـ.

قلت: فهذا هو الصحيح في سبب نزول هذه الآية، وعلى فرض أن الصحابي الذي قال: (الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم) هو علي رضي الله عنه، فتعد هذه من فضائله رضي الله عنه في موافقة القرآن له، كما حصل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه من ذلك الكثير، لا أنها تفضيل له على غيره، كما تدعيه الرواية الضعيفة السابقة.

بقي مما نقله في الهامش قول ابن سيرين ومرة الهمداني اللذين ذكرهما الواحدي أيضًا، لكنّه لم يسندهما ولم يبين مخرجهما، كذلك مع أنهما ليس فيهما تفضيل لعليّ رضي الله عنه نفسه، بل فيهما -إن ثبتا- تأييد الآية لعلي رضي الله عنه في دعوته عمه للهجرة، ثم أنهما مرسلان ضعيفان ليسا متصلين، فحالهما كحال رواية الحسن البصري والشعبي والقرظي في ضعفها وبطلان الاحتجاج بها. ولم أجد ذكرًا لمن أخرجهما سوى ما ذكره السيوطي في (الدر المنثور) (4/146) أن قول ابن سيرين هذا أخرجه الفريابي دون الكلام عن إسناده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت