الصفحة 78 من 366

قلت: ليس هذا دليل على تفضيل علي رضي الله عنه على من سواه من الصحابة، ولا على تفضيل آل البيت على من سواهم من سلف الأمة، كما هو واضح، إذ الحادثة فيما بينهم وبين أهل الشرك، فأين فيها ما ادعاه من تقديمهم على سائر الأمة؟ ولا شك أنها من فضائل علي وصاحبيه رضي الله عنهم، لكن ليس فيها أي دليل على أفضليتهم على غيرهم، وقد تقدم الكلام على حادثة المبارزة عند الكلام على قوله تعالى: (( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ ) ) [ص:28] فليراجع، والمهم أن الآية وحادثة المبارزة ليس فيها دليل على الأفضلية، مع العلم أن هناك أقوالًا أخرى في المقصودين بالآية عن ابن عباس وغيره، ومع ملاحظة أن لفظ الآية عام فلا ينبغي لنا تخصيصه حتى بسبب النزول عملًا بالقاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) وهو الذي اختاره إمام التفسير محمّد بن جرير الطبري في تعميم الآية وقال (17/91) : (ولا يخالف المروي عن علي وأبي ذر؛ لأن الذين تبارزوا ببدر كانوا فريقين مؤمنين وكفار، ألا إن الآية إذا نزلت في سبب من الأسباب لا يمنع أن تكون عامة في نظير ذلك السبب) اهـ. بتصرف.

قوله: (وفيهم وفي عدوهم نزل:(( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) ) [السجدة:18-20] ) وقال في الهامش (48/71) : (نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين والوليد بن عقبة بن أبي معيط بلا نزاع، وهذا هو الذي أخرجه المحدثون وصرح به المفسرون. ثم ذكر ما أخرجه الواحدي فقط) اهـ.

قلت: سبب النزول هذا أخرجه الواحدي (ص:263) ، وفي إسناده ضعف، ولكنّه ينجبر بكثرة طرقه ويصح، وقد ذكرها السيوطي في (الدر المنثور) (6/553) وفي (اسباب النزول) (ص:163) ، بيد أنه لا يختلف عن سابقه في عدم دلالته سوى على تفضيل علي رضي الله عنه على الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فليس فيه أية إشارة إلى تفضيله على باقي الصحابة، ولا أدري ما وجه المناسبة بينه وبين ما ادعاه هذا الموسوي حتى يورده! أيشك مسلم في أفضلية عليّ رضي الله عنه على ذلك الفاسق الوليد بن عقبة بين أبي معيط، الذي سماه الله سبحانه فاسقًا في هذه الآية، وفي قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا ) ) [الحجرات:6] الآية، كما روى الإمام أحمد (4/279) والطبراني (3395) وابن جرير (26/107) وابن إسحق (1) وغيرهم، أنه هو المعنيّ في الآية، وذلك حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأخذ صدقات بني المصطلق، فافترى عليهم وادعى أنهم أرادوا قتله، كما هو مفصل في تلك القصة، فمثل هذا لا شك في أفضلية علي رضي الله عنه عليه -إلا ما كان من أمر الخوارج- فأين فيها أفضليته هو وآله على باقي الصحابة وسلف الأمة؟ وحقًا إن هذه الآية من فضائل علي رضي الله عنه بتسميته الوليد بالفاسق أولًا، وثانيًا: قد شاركه في مثلها -أعني هذه الموافقة- وزاد عليه أيضًا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بموافقته القرآن الكريم في أكثر من موضع، كالصلاة في مقام إبراهيم، وآية الحجاب، والحكم في أسارى بدر، وعدم الصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول، وغير ذلك مما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما.

قوله: (وفيهم وفيمن فاخرهم بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أنزل الله تعالى:(( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) [التوبة:19] ) وقال في الهامش (49/71) : (نزلت هذه الآية في علي وعمّه العباس وطلحة بن شيبة وذلك أنهم افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت، بيدي مفاتيحه وإليّ ثيابه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي: ما أدري ما تقولان لقد صليتُ ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله تعالى هذه الآية، هذا ما نقله الإمام الواحدي- في معنى الآية من كتابه أسباب النزول- عن كل من الحسن البصري والشعبي والقرظي، ونقل عن ابن سيرين ومرة الهمداني أنّ عليًا قال للعباس: ألا تهاجر؟ ألا تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال ألستُ في أفضل من الهجرة؟ ألست أسقي حاجُ بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟ فنزلت الآية) اهـ.

(1) سيرة ابن هشام) (3/308-309) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت