فهرس الكتاب
قلت: وهذا افتراء على ابن حجر؛ إذ لم يعترف بها بل أوردها وحسب ولم يتكلم على صحتها، شأنه في ذلك كشأنه في جميع ما ساقه من الأدلة، فلا يعد ذكره لها اعترافًا بصحتها، وهذه كتب أسباب النزول، فلم يذكر أحد منهم مثل هذه الرواية حتى من طريق ضعيف. وسياق الآية يأبى ما قاله، فقد بين الله سبحانه وتعالى منزلة أهل الكتاب والمشركين فقال: (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) ) [البينة:6] ثم قال: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ) [البينة:7] أفيمكن أن يقصر كل لفظ للذين آمنوا وعملوا الصالحات بعليّ وآله؟ وهذه الدعوى بإمكان المخالف لهم أن يدّعيها أيضًا لمتبوعه حتى الخوارج يمكنهم أن يقولوا: إننا نحن المقصودون بهذه الآية، أبمثل هذه العموميات تحل النزاعات؟!
وكان ما قاله ابن حجر في الصواعق المحرقة أن ذكر حديثًا لابن عباس في نزول هذه الآية، وعزاه للحافظ جمال الدين الذرنديِ، وفيه: (لما نزلت هذه الآية:(( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ) [البينة:7] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين) اهـ. وهو حديث باطل لا يثبت، كما بينه ابن عدي في (الكامل) (2/803) ، ونقله عنه السيوطي في (الدر المنثور) (8/589) ، لكنّه لم يبين ضعفه؛ لأنه مفهوم من عزوه لابن عدي، فكتابه خاص في الرواة الضعفاء والكذابين الذين لا يثبت حديثهم وهو (الكامل في ضعفاء الرجال) ويذكر في ترجمة كل رأو حديثًا أو أكثر من غرائبه ومناكيره، ومنها حديث ابن عباس هذا، وهو احد الأحاديث التي أشار إليها في الهامش (46/70) .
ومن تلك الأحاديث الموضوعة أيضًا حديث أبي سعيد رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليّ خير البرية) أخرجه ابن عدي في (الكامل) (1/174) ، ونقله عنه الذهبي في (الميزان) (1/99-100) ، والكناني في (تنزيه الشريعة) (1/354) ، والسيوطي في (اللآلئ المصنوعة) (1/170) ، وذكره السيوطي أيضًا في (الدر المنثور) (8/589) ، وعزاه لابن عساكر أيضًا، وهو حديث باطل كما قلنا، وهذا واضح من أسماء هذه الكتب، فهي مختصة بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، قال عنه الذهبي: (وهذا كذب، وإنما جاء عن الأعمش عن عطية العوفي عن جابر قال:(كنا نعد عليًا من خيارنا) وهذا حق. اهـ. قلت: وهذه الرواية عن جابر رضي الله عنه بهذا اللفظ هي الأصح بخلاف الرواية الأخرى عنه التي رواها ابن عساكر (1) بتسمية عليّ خير البرية، فهي موضوعة كما سبق، أما أن يقال: إن عليًّا رضي الله عنه وجميع آل البيت ممن تشملهم الآية كما تشمل غيرهم، فهذا حق لا مرية فيه.
قوله: (وقال فيهم وفي خصومهم:(( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ ) ) [الحج:19] وقال في الهامش (47/70) : (أخرج البخاري في تفسيره، سورة الحج(ص107) من الجزء (3) من صحيحه، بالإسناد إلى علي قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال البخاري: قال قيس: وفيهم نزلت: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: هم الذين بارزوا يوم بدر، عليّ وصاحباه: حمزةُ وعبيدةُ، وشيبة بن ربيعة وصاحباه: عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة اهـ. وأخرج في الصفحة المذكورة عن أبي ذر أنه كان يقسم فيها أن هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نزلت في عليّ وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في يوم بدر) اهـ.
(1) الدر المنثور) (8/589) .