فهرس الكتاب
ومن المناسب لهذه الآية أن نذكر ما أخرجه مسلم (2/705، 706) عن جرير قال: كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف عليهم أزر ولا شيء غيرها، عامتهم من مضر فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الذي بهم من الجهد والعري والجوع تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام فدخل بيته، ثم راح إلى المسجد فصَلّى الظهر، ثم صعد منبره فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد: فإن الله أنزل في كتابه:(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ ) ) [الحشر:18-20] تصدقوا قبل أن لا تصدقوا، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة، تصدق امرؤ من ديناره، تصدق امرؤ من درهمه...) الحديث، وشاهدنا من الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية وجعلها عامة، ولم يخصصها، ولم يشر إلى أيّ مقصود خاص بها، بل جعلها محفزة على الصدقة هي والآيات قبلها، ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بمقصودها الخاص إن كان لها مقصود خاص؟!
قوله: (وقال في الحزبين أيضًا:(( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ) [ص:28] . وقال فيهما أيضًا: (( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) ) [الجاثية:21] ).
قلت: تقدم الجواب عليه في استشهاده بالآية السابقة، فهما كقوله تعالى: (( لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ ) ) [الحشر:20] وما أشار إليه في الهامش (44/70) في تفسير علي بن إبراهيم لا دليل به على أهل السنة، فعلي بن إبراهيم هذا هو القمي صاحب (تفسير القمي) الذي قدمنا شيئًا من الكلام على تفسيره في مقدمة كتابنا هذا، وهو الذي يقول: إن في القرآن الذي بين أيدينا الآن ما هو على خلاف ما أنزل الله، وهو مع ذلك من كبار أئمتهم، لكنّه عند أهل السنة أضل من حمار أهله.
ولا أظن هذا الموسوي يعني في هامشه إلا ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس (1) في قوله: (( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا ) ) [ص:28] الآية، قال: الذين آمنوا علي وحمزة وعبيدة بن الحارث. والمفسدون في الأرض عتبة وشيبة والوليد، وهم الذين تبارزوا يوم بدر. اهـ
وهو الذي جعله تفسيرًا للآية الثانية كما في الهامش (45/70) . ولا يمكن أن يصح لا للآية الأولى ولا للآية الثانية، فكلا الآيتين مكية، بينما وقعة بدر كانت في السنة الثانية للهجرة كما هو معروف، وعلى أية حال فليس في أيّ من الآيتين سوى تفضيلهم على غير المؤمنين، وهذا لا يماري فيه مسلم، فأين في الآيتين والأثر الذي أشار إليه وذكره تفضيلهم على باقي الصحابة؟
ثم إن سبب النزول الذي ادعاه فيه ذكر لحمزة وعبيدة بن الحارث مع علي، فليس فيه ذكر لآل عليّ وذريته بل فيه غير آله، مع أنه -كما قلنا- تفضيل في مقابل أهل الشرك مثل عتبة وشيبة والوليد، فأين هو مما ادعاه من تقديمهم على باقي الأمة؟ أيمكن أن يخالفني أحد بأن مثل هذا الاستدلال لا يفعله إلا الجهلة؟ لا أظن ذلك.
قوله: (وقال فيهم وفي شيعتهم:(( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ) [البينة:7] وقال في الهماش (46/70) : (حسبك في ذلك أن ابن حجر قد اعترف بنزولها فيهم وعدّها من آيات فضلهم، فهي الآية(11) من آياتهم التي أوردها في الفصل الأول من الباب (11) من صواعقه، فراجعها وراجع ما أرودناه من الأحاديث المتعلقة بهذه الآية في فصل (بشائر السنة والشيعة) من فصولنا المهمة). اهـ
(1) كما في (الدر المنثور) (7/174-175) .