فهرس الكتاب
فتعقبه الذهبي بأنه باطل وأن عبادًا ضعيف، وقد رد هذا الأثر أحمد بن حنبل وضرب عليه، كما في (تهذيب التهذيب) وذكره الذهبي في (الميزان) في ترجمة عباد وقال: هذا كذب على علي (1) . هذه حال جيمع طرق هذا الحديث، فمن أين تأيته الصحة فضلًا عن التواتر؟
قوله: (وفيهم وفي أوليائهم قال الله تعالى:(( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) ) [الأعراف:181] ) وقال في الهامش (42/70) : (نقل صدر الأئمة موفق بن أحمد عن أبي بكر بن مردويه بسنده إلى علي قال: تفترق هذه الأمة ثلاثًا وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة؛ فإنها في الجنة، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ في حقهم:(( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) ) [الأعراف:181] ، وهم أنا وشيعتي) اهـ.
قلت: قصر الآية بهم لا دليل عليه ولا يصح، فالآية عامة، وإن كان يلحقها التخصيص فبأمته صلى الله عليه وسلم، كما قال غير واحد من السلف فيما رواه ابن جرير (9/86) وغيره، ويروى أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند معضل. وما نسبه هذا الموسوي إلى علي رضي الله عنه ولم يبين لنا إسناده حتى يلزمنا به الحجة، ولا أظنه إلا باطلًا كدعاويه السابقة، وإلا فليسق لنا أحدٌ إسناده.
ثم رأيت السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) (3/617) ذكر قول علي رضي الله عنه هذا، وإليك لفظه، قال: (لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، يقول الله:(( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) ) [الأعراف:181] فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة) اهـ. ومع أن السيوطي لم يصرح بثبوته، فهو موافق لحديث صلى الله عليه وسلم الصحيح المعروف في هذا الباب ويزيد عليه في تفسيره الآية بهذا، لكن المهم أنه ليس فيه قوله: (وهم أنا وشيعتي) مما يبين التحريف والزيادة في النص، أما من هذا الموسوي أو ممن لقبه بصدر الأئمة موفق بن أحمد، ومثل هذا التحريف والتلاعب بالنص يجعلنا لا نثق بأي شيء يسوقه لنا، خصوصًا إذا لم يبين لنا موضعه من الكتاب وإسناده، كما هو دأبه في معظم ما ساقه من النّصوص.
قوله: (وقال في حزبهم وحزب أعدائهم:(( لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ ) ) [الحشر:20] ).
قلت: بإمكان أي صاحب دعوى حقة أو باطلة أن يحتج بهذه الآية ضد خصومه كما فعل هذا الأحمق، وأن يلفق رجاله من النّصوص ما يقصرها به دون خصومه، كما فعل صاحبنا في الهامش (43/70) في نقله من الطوسي والصدوق وموفق بن أحمد، وكلهم من أئمة الشيعة، فكيف يلزم أهل السنة بهم؟ وهو إنما ادعى في كتابه أنه يسوق الأدلة من كتب أهل السنة ليقيم الحجة عليهم -كما زعم- فهل هذه كتب أهل السنة؟ بل لا أشك أنه إنما فعل هذا لعدم وجود أي نص في جميع كتب أهل السنة، حتى ولو موضوع مكذوب يؤيّد ادعاءه، فعرّج إلى كتب طائفته، فكفانا بذلك مؤونة الرد عليه ولله الحمد.
ثم إن مَن تدبر الآية وسياقها علم إن الله سبحانه وتعالى لم يسقها لبيان من هم أصحاب الجنة وأصحاب النار، فإن هذا مفصل مبين في سائر آيات القرآن الكريم، بل ساقها ليبين أنهما لا يستويان في ميزان الله تعالى، وإنه من عدله سبحانه وتعالى أن يكرم الأبرار ويهين الفجار، كما قال: (( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) ) [الجاثية:21] وقال: (( وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ) ) [غافر:58] وقال تعالى: (( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ) [ص:28] .
(1) وانظر الرد على المراجعة (34) من كتابنا هذا.