فهرس الكتاب
وأولى الأمة بالتشبيه بمؤمن آل فرعون هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وليس عليًا، كما ثبت عن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فاخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (( أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) ) [غافر:28] أخرجه البخاري في (صحيحه) (6/159) . وهذا قول مؤمن آل فرعون تمثل به أبو بكر رضي الله، بل إن أبا بكر أفضل منه، كما قال ذلك علي رضي الله عنه نفسه فيما أخرجه البزار وأبو نعيم في (فضائل الصحابة) (1) عن علي رضي الله عنه أنه قال: (أيها الناس أخبروني بأشجع الناس، قالوا: أنت، قال: لا! قالوا: فمن؟ قال: أبو بكر رضي الله عنه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش هذا يحثه وهذا يبلبله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، قال: فوالله ما دنا منّا أحدٌ إلا أبو بكر رضي الله عنه يضرب هذا ويجاهد هذا، وهو يقول:(ويلكم! أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله) ثم رفع علي رضي الله عنه بردة كانت عليه فبكى حتى أخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم بالله أمؤمن آل فرعون خيرٌ أم أبو بكر رضي الله عنه خير من مؤمن آل فرعون؟ ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه) اهـ.
بقي من قوله في الهامش: (والصحاح في سبقه وكونه الصّدّيق الأكبر والفاروق الأعظم متواترة) .
قلت: وهذه دعوى لا تختلف عن سابقاتها في المبالغة والكذب، فليس فيها شرط التواتر حتى من جهة العدد فضلًا عن عدم صحتها، فقد ذكر ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/345) حديثًا عن ابن عباس في تسمية علي بالصديق الأكبر والفاروق الأعظمم، وحكم عليه بالوضع، وتابعه السيوطي كذلك في (اللالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) (1/324-325) وكذلك ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة) (1/353) .
وروى أيضًا من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: (أنت أول من آمن بي وأنت أول من يصافحني يوم القيامة، وأنت صدّيقي الأكبر، وأنت الفاروق تفرّق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكفار) أخرجه البزار كما في (تنزيه الشريعة) (1/352) لكنّه لا يثبت، في إسناده محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، قال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا ذاهب. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن معين: ليس بشيء. وعدّه الكناني في (تنزيه الشريعة) آفة هذا الحديث. وفي إسناده أيضًا عبّاد بن يعقوب، وهو وان كان صدوقًا لكنّه غالٍ في التشيع، فمثله لا يُقبل خبره في شيء من فضائل علي رضي الله عنه، ومن غلوّه أنه كان يقول: إن الذي حفر البحر علي بن أبي طالب، والذي أجراه الحسين بن علي، كما في ترجمته من (تهذيب التهذيب) و (الميزان) ، فهذه علتان في إسناده تكفي كل واحدة منهما لرد أي حديث هي فيه. وأخرج هذا الحديث أيضًا من نفس الطريق ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/344) .
ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (6184) . وقال: حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني، ثنا إسماعيل بن موسى السدي، ثنا عمر بن سعيد عن فضيلبن مرزوق عن أبي سخيلة عن أبي ذر وسلمان قالا... الحديث، وهذا إسناد مطعون في جميع رجاله سوى شيخ الطبراني علي بن إسحاق، فلم أجد له ترجمة، والله أعلم بحاله، وإسماعيل السّدّي يخطئ ورُمي بالرفض، كما قال الحافظ في التقريب، وشيخه عمر بن سعيد ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة. وتركه الدارقطني، وبه أعل الحديث الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/102) . وفضيل بن مرزوق في حفظه ضعف، قال الحافظ: صدوق يهم، ورمي بالتشيع. وأخيرًا أبو سخيل هذا مجهول، كما قال الحافظ وغيره، وهي جهالة عين لا جهالة حال، وهي أشد ضعفًا من مرتبة الضعيف. فهذا إذًا إسناد لا يفرح بمثله ولا يُغني شيئًا إذ أنه إن سلم من علة وقع في أخرى كما هو واضح.
وآخر ذلك ما روي عن علي رضي الله عنه من قوله نفسه، قال: (أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب، صليت قبل الناس سبع سنين) أخرجه الحاكم في (المستدرك) (3/112) ، والنسائي في (خصائص علي) كما في (تنزيه الشريعة) (1/376) ، من طريق عباد بن عبد الله الأسدي عن علي. وذكره الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمة عباد بن عبد الله وهو ضعيف. قال ابن المديني: ضعيف الحديث. وقال البخاري: فيه نظر. وبه ردّ الحديث الذهبي وتعقبه على الحاكم حين قال: صحيح على شرط الشيخين.
(1) الدر المنثور) (7/285-286) .