الصفحة 73 من 366

وأما الحديث الذي ذكره فهو حديث موضوع مكذوب باطل، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن المطهر وقد ذكر هذا الحديث، وبيّن وجه رده اسنادًا ومتنًا؛ أما إسناده فقد بينه شيخ الإسلام -كما في (مختصر المنهاج) (452) - بأنه من رواية القطيعي عن الكديمي، حدثنا الحسن ابن محمّد الأنصاري، حدثنا عمرو بن جميع، حدثنا ابن أبي ليلى عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه مرفوعًا، وأكد إسناده هذا الألباني في (الضعيفة) (1/359) بقوله: (ثم وجدت الحديث رواه أبو نعيم أيضًا في(جزء الكديمي) (31/2) وسنده هكذا: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الأنصاري ثنا عمرو بن جميع عن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه مرفوعًا) اهـ. وحكم عليه الألباني أيضًا بالوضع، وهو حريّ به، فالكديمي المذكور هو محمّد بن يونس بن موسى الكديمي القرشي السامي، نقل الذهبي في (الميزان) عن ابن حبّان أن الكديمي لعله قد وضع أكثر من ألف حديث. وعمرو بن جميع قال عنه الذهبي في (الميزان) أيضًا: كذبه ابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني وجماعة: متروك.

قلت: وقد اتهمه بالوضع الحافظ ابن عدي. وابن أبي ليلى الأول هو محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ جدًا كما قال الحافظ وغيره، فهذا حال إسناده، فيه كذابان وسيء الحفظ جدًا، فسقط بذلك الحديث، وهو الثاني الذي أشار إليه في هامشه وعزاه لأبي نعيم وابن عساكر. وأما الأول الذي عزاه لابن النجار عن ابن عباس -وهو ينقل كل ذلك من الصواعق وليس لهفضل في ذكره- فلا أظنه أحسن حالًا من الآخر، وحتى وإن كان من طريق آخر فقد بينه لنا السيوطي في (الجامع الصغير) (5148) وقال: حديث ضعيف، مع قلة عنايته بذلك. وأكرر هنا أن السيوطي متساهل في التصحيح، فربما يصحّح الضعيف، وهذا يفيدنا هنا أنه إذا حكم على حديث بالضعف فيجعلنا متيقنين من ضعفه، وربما يكون موضوعًا -كما هو الغالب هنا- وهو يقول ضعيف لتساهله.

وعلى كل فالحديث لا يثبت من جميع طرقه، فهو موضوع كما قال أهل العلم. هذا من جهة إسناده، وأما من جهة متنه، فإن لفظه يقتضي أن الصّدّيقين هم ثلاثة فقط كما هو واضح، وهذا مردود بثبوت تسمية غير هؤلاء صدّيقين، كما بينه شيخ الإسلام (1) ، فقد سمى الله سبحانه النبيين كذلك فقال: (( إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ) ) [مريم:41] لغير واحد منهم، وقال عن مريم أم عيسى أيضًا: (( وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) ) [المائدة:75] وقال: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ ) ) [الحديد:19] ، فهذا يقتضي أن كل من آمن بالله ورسله فهو صدّيق، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقًا) (2) ، وأحق الأمة بهذا الاسم هو أبو بكر رضي الله عنه، فقد ثبت تسميته بذلك دون حصره به، لكنّه أولى الأمة به، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدًا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اثبت أُحُد، فما عليك إلا نبي وصدِّيق وشهيدان) ، وحادثة تسميته بالصّدّيق عقب الإسراء والمعراج معروفةٌ مشهورة.

ثم إن الحديث لا يدل على مطلوبه أيضًا من تسمية آل البيت صدّيقين، فليس فيه إلا ذكر علي، فمن أين ألحق به باقي أهل البيت؟

(1) المنتقى) (ص:474) .

(2) البخاري (2340) ، مسلم (2607) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت