فهرس الكتاب
قلت: أما استدلاله بلفظ الآية فهو استدلال أحمق، فإن الآية -وهي من سورة الواقعة- إنما هي في سياق آيات القيامة وأصناف الناس عندها، فأهل الجنة هم سابقون مقربون أو أصحاب اليمين، ألا ترى أنه قال بعد ذلك: (( ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ ) ) [الواقعة:13-14] ، فبان بذلك أنه لم يرد السبق إلى الإيمان، ولم يرد قومًا مخصوصين، بل مرتبة في الجنة وأصحابها موزعون ما بين الأمم السالفة والأمم الباقية، وهو في الأولين أكثر، أو أنها خاصة بأمة محمّد صلى الله عليه وسلم أولها وآخرها. وإليك سياق الآيات، قال الله عزّ وجلّ: (( إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنتُمْ أزواجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) ) [الواقعة:1-11] .
وأما استدلاله بالحديث المذكور فلا يستقيم له؛ لأنه حديث ضعيف جدًا ومنكر إن لم يكن موضوعًا مكذوبًا، ولا يغني عنه ذكر ابن حجر له في (الصواعق) لما سبق بيانه من منهجه في كتابه ذاك، خصوصًا وأنه لم يعقب عليه بشيء، ومثله كل من ذكره من أصحاب التفاسير، ولم يتكلم عليه بشيء، فلا يعني ذلك ثبوته؛ لأن أحدًا منهم لم يدع أنه التزم الصحيح من الحديث في كتابه، وخير مثال على ذلك السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ، إذ ذكر الحديث في (8/6) ولم يعقب بشيء على إسناده، مع أنه كان قد ذكره أيضًا في (7/52) وبين ضعفه هناك، وهو دليل على ان السكوت على الحديث لا يدل على ثبوته، بل غالبًا ما يكون لأجل عدم ثبوته، والله أعلم.
وبالنسبة لحديثنا هذا فقد أخرجه الطبراني في الكبير (11152) من رواية الحسين بن أبي السري العسقلاني عن حسين الأشقر. والأول ضعفه أبو داود، وقال أخوه محمّد: لا تكتبوا عن أخي فإنّه كذاب. وقال أبو عروبة الحراني: هو خال أبي وهو كذاب (1) ، وشيخه حسين الأشقر ضعيف أيضًا، وهو إلى ذلك شيعي غالٍ فلا يقبل خبره في مثل هذا حتى لو غضينا الطرف عن ضعفه؛ ونقل ابن عدي عن السعدي أنه قال: كان غاليًا من الشتامين للخيرة (2) .
وقد ضعف هذا الحديث السيوطي -كما مر- مع ما عنده من تساهل، وقال العقيلي عنه: لا أصل له (3) . ورده أيضًا الحافظ ابن كثير في (تفسيره) (3/570) وفي البداية والنهاية (1/231) .
وقال: هذا حديث منكر، وضعفه أيضًا بشدة الألباني في (الضعيفة) (358) ، فلا حجة فيه بعد ذلك والحمد لله.
وأما كون علي رضي الله عنه كان أسبق إلى الإسلام من غيره، فهذا غير مقطوع به، فإن أول من سبق إلى الإسلام من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد، وقطعًا كان إسلام خديجة هو أول الجميع، فإن كان فيه فضل على الآخرين فلخديجة لا لعليّ. ثم إن إسلام الصبي فيه نزاع، وإسلام أبي بكر كان أكمل وأنفع كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (4) ، وهو معلوم لكل من نظر في السيرة النبوية والحمد لله.
لكن أعظم سابق في هذه الأمة هو أبو بكر رضي الله عنه، كما قال عنه عمر: والله ما سابقته إلى خير قط إلا سبقني.
قوله: (وهم الصديقون والشهداء الصالحون) وقال في الهامش (41/69) : (أخرج ابن النجار -كما في الحديث(30) مما أشرنا إليه من الصواعق- عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار صاحب ياسين، وعلي بن أبي طالب) ، وأخرج أبو نعيم وابن عساكر -كما في الحديث (31) مما أشرنا إليه في الصواعق- عن ابن أبي ليلى أن رسول الله قال: (الصديقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل ياسين، قال: يا قوم اتبعوا المرسلين، وحزقيل مؤمن آل فرعون، قال: اتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم) اهـ. والصحاح في سبقه وكونه الصديق الأكبر والفاروق الأعظم متواترة) اهـ.
قلت: استدلاله بهذه الآية لا يقل حماقة عن استدلاله بالسابقة، قال الله عزّ وجلّ في هذه الآية: (( وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ) ) [النساء:69] فشملت الآية جميع عباد الله المؤمنين، وبين الله تعالى الشرط في ذلك وهو طاعة الله ورسوله فقط، ولم يذكر أهل البيت ولا ولايتهم ولا حتى طاعتهم، فاستدلاله بالولاية هو استدلال أصحاب الجهل والأهواء.
(1) انظر (ميزان الاعتدال) وغيره.
(2) انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب) و (الميزان) وغيرهما.
(3) كما في التهذيب (2/337) .
(4) المنتقى) (ص:463) .