فهرس الكتاب
ورابعًا: ثبت تفسير هذه الآية تفسيرًا واضحًا وكافيًا وشافيًا عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أعلم أهل البيت بعد عليّ رضي الله عنه، وثبت أيضًا عن غيره من الصحابة والتابعين بما يخالف هذا التأويل المزعوم، وهو أيضًا مروي عن بعض أهل البيت، وإسناده أصح مما ذكر، على فرض أن ما ذكره له إسناد، وهو المستفيض عن الصحابة والتابعين وسلف الأمة. أخرج ابن جرير (18/94) عن ابن عباس قوله: (( اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) ) [النور:35] يقول: الله سبحانه هادي أهل السموات والارض. وأخرج أيضًا عن أنس قال: إن إلهي يقول: نوري هداي. وهو الذي اختاره ابن جرير وبين وجه تناسبه مع سياق الآية قبلها وبعدها. (( مَثَلُ نُورِهِ ) ) [النور:35] أي: مثل نوره في قلب المؤمن، أو مثل هداه، أو مثل من آمن به، وكلها متقاربة. وقد فسّره بما ذكرنا كل من عبد الله بن عباس، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، أخرجه عنهم ابن جرير (18/94-95) ، وعبد الرزاق وعبد بن حميد (1) ، وأخرج قول ابن عباس أيضًا الحاكم (2/398) ، وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي حاتم (2) ، ولفظ ابن عباس عند الحاكم صريح كل الصراحة في ربط هذا المثال مع الآيات بعدها وهي التي قدمنا الكلام عليها أولًا. إذ قال ابن عباس في قوله تعالى: (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) ) [النور:36] قال: (ضرب الله هذا المثل وهو قوله:(( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ) ) [النور:35] لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا أتجر الناس وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله) اهـ (3) .
فالمثل إذًا ضربه الله تعالى لقلب المؤمن وما فيه من الهدى، إذ شبه قلب المؤمن بالمشكاة (( فِيهَا مِصْبَاحٌ ) ) [النور:35] وهو النور في قلب المؤمن.. (( الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ) ) [النور:35] وهي صدر المؤمن.. (( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) ) [النور:35] أي من شدة إضاءتها.. (( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ) ) [النور:35] وهو الاخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له- كما قال أبي بن كعب- (( زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) ) [النور:35] أي: إن الزيت الذي يوقد هذا المصباح هو أفضل أنواعه وهو من زيت الزيتون، ومن أجود أنواعه أيضًا، إذ أن شجرته في الصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء وهو أجود لزيتها -كما قال ابن عباس- أي أن الشمس إذا أشرقت أشرقت عليها، وإذا غربت غربت عليها، فذلك أصفى ما يكون من الزيت -وهو قول مجاهد أيضًا- (( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) ) [النور:35] أي: إن هذا الزيت لشدة صفائه يكاد يتوهج ولو لم تمسسه نار، فكذلك يكون قلب المؤمن، يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورًا على نور (( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) ) [النور:35] أي: فكما أن هذا الزيت ازداد نورًا بالنار على نوره نفسه، فكذلك المؤمن زاده الله نورًا بالقرآن على ما جعل في قلبه من نور الحجج والبينات ونور الفطرة.. (( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) ) [النور:35] أي يوفق الله سبحانه لاتباع نوره هذا من يشاء من عباده.
وهذا التأويل الذي ذكرناه هو الذي يفهم من أقوال الصحابة والتابعين وسلف الأمة في هذه الآية، فراجعه في (تفسير الطبري) (18/94-99) ، (تفسيرابن كثير) (3/289-291) ، (الدر المنثور) (6/196-200) ، والحمد لله الذي ميّز الخبيث من الطيب.
قوله: (وهم السابقون السابقون أولئك المقربون) وقال في الهامش (40/69) : (أخرج الديلمي كما في الحديث 29 من الفصل الثاني من الباب(9) من الصواعق المحرقة لابن حجر عن عائشة، والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمّد علي بن أبي طالب) اهـ. وأخرجه الموفق بن أحمد والفقيه بن المغازلي بالإسناد إلى ابن عباس) اهـ.
(1) الدر المنثور) (6/199-200) .
(2) الدر المنثور) (6/196) .
(3) راجع (مستدرك الحاكم) (2/398) .