الصفحة 70 من 366

قوله: (وقد جعل الله مشكاتهم في آية النور مثلًا لنوره وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) وقال في الهامش (39/69) : (إشارة إلى قوله تعالى:(( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) ) [النور:35] ) الآية، فقد أخرج ابن المغازلي الشافعي في مناقبه بالإسناد إلى علي بن جعفر، قال سألت أبا الحسن (الكاظم) عن قوله عزّ وجلّ: (( كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) )، قال عليه السّلام: المشكاة فاطمة، والمصباح الحسن والحسين، والزجاجة كأنها كوكب دريّ، قال: كانت فاطمة كوكبًا دريًا بين نساء العالمين توقد من شجرة مباركة شجرة إبراهيم، لا شرقية ولا غربية ولا يهودية ولا نصرانية، (( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) ) [النور:35] قال: يكاد العلم ينطق منها، (( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ ) ) [النور:35] قال: فيها إمام يهدي الله لنوره من يشاء، يهدي الله لولايتنا من يشاء. اهـ. وهذا التأويل مستفيض عن أهل بيت التنزيل). اهـ

قلت: بل هذا تأويل باطل مكذوب، لا يصدر إلا عمن حملته عصبيته على ليّ النّصوص ليًّا وبتكلّف، يريد أن يجعل كل آية فيها مدح أو مثلٌ حسن لمذهبه وبالعكس لأضداده، وكأن الدنيا ليس فيها أمرٌ أهم من ولاية أهل البيت، ولو كان صادقًا في ثبوت هذا التأويل لساق إسناده بالكامل، ولم يكتف بقوله: (بالإسناد) ، فإن هذا يصحّ حتى على الموضوع المكذوب، هذا أولًا، وثانيًا: فإن هذا التأويل منسوب إلى الكاظم، فهو لا يلزم أهل السنة بشيء، وهو يسوقه إليهم يريد إقامة الحجة علهيم، أفيصح مثل هذا؟! كحال اليهودي الذي يحتج على المسلم بما في التوراة. وهذا من أصول المناظرة عند أهل العلم.

وثالثًا: فإن ما ذكره من التأويل لا يستقيم حتى مع لفظ الآية وسياقها، فإنّه مرة يجعل المشكاة هي فاطمة رضي الله عنها، ومرة يجعل مثلها الزجاجة التي مثلها كوكب دري، وهذا تناف في نفس سياق الآية وفي المثل، فإن المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل كما قال غير واحد، وهو شيء آخر غير الزجاجة التي تحيط بالمصباح التي كأنها كوكب دري، فلا يمكن الجمع بينهما، ثم إن المصباح هنا مفرد، وهو يدل على شيء واحد مفرد أيضًا، بينما يجعلها هو الحسن والحسين وهو من تحميل النص ما لا يحتمله، فلو كانا مرادين لقال: (فيها مصباحان) . يضاف إلى ذلك عدم تفسيره للزيتونة المذكورة وهو ما لا يستطيعه مع هذا التأويل فأعرض عنه. وتفسيره: (( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) ) [النور:35] بقوله: (يكاد العلم ينطق منها) مما يبين جهله؛ فإن معناها أن العلم لم ينطق منها، بل كاد. لكن المهم أنه لم ينطق من شجرة فاطمة وذريتها، هذا هو معنى الفعل (كاد) في لغة العرب. ثم قوله: (( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) ) [النور:35] أي: فيها إمام بعد إمام دعوى لا دليل عليها ولو كان صحيحًا لقال: (نور بعد نور) ولم يقل: (على) ، ومثلها تفسيره (( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) ) [النور:35] يهدي الله لولايتنا من يشاء، فإن النور هنا هو نفسه في أول الآية في قوله: (( مَثَلُ نُورِهِ ) ) [النور:35] ثم قال: (( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ ) ) [النور:35] أي: ذاك، فكيف يفسر مرة بفاطمة وذريتها ومرة بولاية أهل البيت، هذا تناقض واضح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت