الصفحة 69 من 366

وحتى لفظ الحديث الذي ساقه ليس فيه دليل على الأفضلية، قصارى ما فيه دليل على الفضل لا الأفضلية، فلم يقل: إن الآية بهم وحدهم، ولم يقل: إن بيتهم أفضل البيوت، بل قال: (من أفاضلها) وهذا يقتضي مشاركة غيره له في هذه المنزلة، وهذا كله على فرض صحته.

وإن مما يرد عليه احتجاجه بهذه الآية ما ثبت من تفسير البيوت هنا بالمساجد، قال ابن تيمية (1) : (باتفاق الناس) . قلت: وهو قول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فيما أخرجه الطبري (18/100) من أكثر من طريق وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم (2) وبه قال مجاهد، والحسن وأبو صالح وسالم ابن عمر، وابن زيد وقتادة وغير واحد. وأخرجه الطبري (18/100) بسند صحيح إلى عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وعمرو بن ميمون هذا تابعيّ ثقة أدرك الجاهلية، ولم يلقَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لكنّه روى عن عدد من الصحابة مثل عمر وابن مسعود، ومعاذ وأبي ذر وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم (3) . هذا هو الصواب في معنى البيوت هنا وهو الذي اختاره محققو المفسرين كابن جرير الطبري وابن كثير. وهو الذي يتناسب مع سياق الآية فيما قبلها وما بعدها، فقبل هذه الآية ضرب الله مثلًا فقال: (( اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) ) [النور:35] الآية، وهو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن، وما فيه من الهدى والعلم -كما سيأتي بيانه- فلما بينه الله تعالى ذكر بعد ذلك محله وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض وهي بيوته -كما بينه ابن كثير- وأما ما بعدها فهو قوله تعالى: (( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) ) [النور:36] في أنها بنيت أساسًا للعبادة فكانت هي المساجد.

وهناك أقوال أخرى في الآية -وما سبق أصح- وليس فيها ما أدعاه هذا الموسوي هنا سوى نقل السيوطي في (الدر المنثور) (6/203) لحديث أنس وبريدة المزعوم هذا، ولم يسنده للثعلبي، بل لابن مردويه، ولم يبين اسناده، ولم يتكلم عليه بشيء أبدًا فلا يعتبر بذلك حجة، إذ وجود الحديث في أي كتاب سوى الصحيحين -البخاري ومسلم- لا يلزم منه صحتها خصوصًا عند السيوطي المعروف بالتساهل وهذا أمر بيناه مرارًا.

لكن الملفت للنظر عند مقارنة لفظ الحديث الذي ساقه السيوطي، وهذا الذي في المراجعات يتبين أن الحديث واحد وبلفظ واحد تمامًا، سوى فقرة فيه ذكرها السيوطي، وليست هي في هامش المراجعات، وقد ذكرها أيضًا ابن المطهر الحلي عند استدلاله بهذا الحديث مما يجعلني أجزم أن المتصرف بها، والذي حذفها هو صاحب المراجعات نفسه الموسوي هذا؛ لأن وجودها عند الثعلبي متحقق بنقل ابن المطهر منه، كما هو وجودها عند ابن المطهر وكذا ذكرها السيوطي، فلم يبق إلا الموسوي هذا، ذلك أن فيها ما ينقض عليه احتجاجه بهذا الحديث على فرض ثبوته، وهذه الفقرة هي بعد ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية: (فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟! قال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر...) فجريًا معه في استدلاله بهذا الحديث يكون المقصود بهذه البيوت بيوت الأنبياء، وأفضلهم محمّد صلى الله عليه وسلم، وبيوته تشمل بيوت زوجاته أمّهات المؤمنين رضي الله عنهنّ أجمعين كعائشة وحفصة وغيرهما، ويكون -بدليله الذي استدل به- بيت عائشة وبيت حفصة أول المقصودين في الآية ثم باقي بيوت آل البيت رضي الله عنهم.

فانظر إلى صنيع هذا الرجل بهذا النص الذي ساقه هو لكنّه مع ذلك لم يكن أمينًا حتى في نقل حروفه، وحرّفه واقتطع منه ما لا يريد، وما لا يوافق هواه، وهذا كله مما يدحض من وصفه في ترجمته في مقدمة الكتاب بأمانة النقل؛ لا، بل بالتلاعب بالنّصوص وفق ما يريده، وهذا ما يترفع عنه الشرفاء الصادقون، حتى سلفه ابن المطهر لم يجرؤ على مثل هذا الفعل. والحمد لله فقد كفونا بذلك مؤونة البحث عن إسناد الحديث ومعرفة ثبوته؛ لأنه حتى لو ثبت لما كان دليلًا خاصًا بعلي وآله. كما أفترى هذا الموسوي والحمد لله على توفيقه في بيان زيف الباطل وأهله.

(1) المنتقى) (ص:450) .

(2) الدر المنثور) (6/202) .

(3) تهذيب التهذيب).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت