الصفحة 68 من 366

والصحيح في سبب نزول قوله تعالى: (( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) ) [الجمعة:11] -وهي الآية التي ذكرها الموسوي في الهامش (37/68) - ما أخرجه الإمام أحمد (3/370) ، والبخاري (2/16) ، ومسلم (2/590) ، والترمذي (4/200) ، وابن جرير (28/67، 68) ، والحافظ أبو يعلى (1) ، والواحدي (ص:319-320) ، وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (8/165) لسعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وعبد الرحمن، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي، من طرق عن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن نصلّي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ اقبلت عيرٌ تحمل طعامًا، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلًا فنزلت هذه الآية: (( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) ) [الجمعة:11] .

وقد جاء التصريح بتسمية بعض الاثني عشر هؤلاء بأنّ فيهم (أبا بكر وعمر) عند مسلم والترمذي وأبي يعلى والواحدي والآخرين الذين عزاه السيوطي إليهم، وهذا يبين لك التحريف الذي قام به هذا الموسوي أو من اعتمد عليه، فحذف من الرواية أبا بكر وعمر ووضع بدلًا من ذلك عليًا والحسن والحسين وفاطمة.

وهناك روايات أخرى في تسمية هؤلاء الاثني عشر ذكرها ابن حجر في (فتح الباري) (2/539) وليس في أي منها -حتى الضعيفة- ذكر لما ادعاه هذا الموسوي هنا، فبعض الروايات تقول أن منهم جابرًا راوي الحديث، وبعضها تذكر سالمًا مولى أبي حذيفة، وبعضها الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وبعضها تذكر العشرة المبشرة وبلالًا وابن مسعود، وأصحها إسنادًا تلك التي تذكر أبا بكر وعمر وجابر، والمهم أن ليس هناك ذكر للرواية التي اخترعها، وقد استقصى السيوطي في (الدر المنثور) (8/165-167) هذه الرواية ما صح منها وما لم يصح، وليس في أي منها ذكر للحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين، والحسن كان عمره ثماني سنوات حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسين ست سنين، وهذه الآية نزلت في عهد متقدم في المدينة، وعلى أبعد الاحتمالات قبل فتح مكة الذي كان سنة ثمان للهجرة، ومعنى هذا أن عمر الحسن -على أبعد الاحتمالات- حين نزولها كان أقل من خمس سنين، والحسين أقل من ثلاث فلا يمكن أن يكونا شهدا تلك الواقعة لكن الصحيح أنها نزلت قبل أن يولد الحسن والحسين أو ولد الحسن لبضعة أشهر، أما فاطمة رضي الله عنها فلم ينقل أنها كانت تشهد الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيرها من المؤمنات، ثم إن لفظ الآية التي ادّعى نزولها في ذلك- وهي التي ذكرها في المتن دون الهامش وليس فيها ذكر الجمعة- لا يحتمل شمول فاطمة رضي الله عنها، إذ قال الله تعالى: (( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ ) ) [النور:37] فلا يمكن دخول فاطمة في لفظ (رِجَالٌ) .

وقد ذكر السيوطي في (الدر المنثور) فيما ذكر من الروايات رواية ابن عباس في سبب نزول هذه الآية بلفظ قريب مما هو في الهامش (37/68) لكنّها ليس فيها ذكر لعلي ولا الحسن ولا الحسين ولا فاطمة، وعزاها لابن مردويه، لكن ضعفها الحافظ في (الفتح) (2/538) ، وأخرى عن ابن عباس أيضًا عند عبد بن حميد، وثالثة عند البزار، ونقل السيوطي (8/166) عن عبد بن حميد قول مجاهد في هذه الآية بما يخالف ما ادعاه هنا في الهامش.

أما الأثر الذي ذكره في الهامش (38/69) في قوله تعالى: (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) ) [النور:36] فقد عزاه للثعلبي في تفسيره، وما صنع شيئًا؛ لعدم معرفة إسناده ومقدار صحته وإلا ليسق لنا إسناده إن كان صادقًا، بل وجوده في تفسير الثعلبي وحده مما يؤكد الشبهة فيه ويمنع من قبوله دون معرفة إسناده؛ لما أسلفنا من حال الثعلبي في تفسيره، وأنه حاطب ليل، وما أكثر الموضوعات فيه التي بينها ونبه عليها أهل العلم بالحديث ولا أظن هذا الأثر الا واحدًا منها، ولا أراه نقله إلا من سلفه ابن المطهر الحلي، الذي رد عليه شيخ الإسلام فقال (2) : (والحديث كذب بلا ريب) . وهذا الحكم لا يسعه رده ولا أحدًا على مذهبه إلا أن يسوق لنا إسناده ويبين لنا صحته، ثم إن لفظ الآية: (رِجَالٌ) يمنع من حمله على علي وفاطمة وحتى على علي وحده، أما إذا أُريد ان الآية تشملهم فهذا صحيح، وهو كذلك في الآية السابقة أيضًا، فآل علي رضي الله عنه: هم من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الصحابة وآل البيت أجمعين، وأيضًا هي لا تدل على أفضليتهم على غيرهم وتقديمهم في الإمامة حتى وإن كانت خاصة بهم، فكيف وهي تعمهم وتعم غيرهم كما أسلفنا؟

(1) تفسير ابن كثير) (4/367) .

(2) المنتقى) (ص:450) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت