الصفحة 67 من 366

بقي من تعليقه في الهامش (36/68) عزوه سبب نزولها الذي ادعاه للحاكم من طريق عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق عن علي. هذا ما أظهره لنا من إسناده وهو لوحده كافٍ في رد الحديث وبيان ضعفه، إذ إن فيه ثلاث علل:

الأولى: عمرو بن ثابت هذا هو الكوفي، قال الحافظ في التقريب: ضعيف رمي بالرفض. وقال ابن المبارك: لا تحدثوا عنه فإنّه كان يسب السلف. وقال ابن معين: هو غير ثقة. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال مرة: ليس بثقة ولا مأمون.. وهو إلى ذلك متهم بالرفض، فلا يحتج به في شيء من فضائل علي، كما هو المقرر في (المصطلح) .

الثانية: أبو إسحاق المذكور هو السبيعي المعروف، وهوثقة لكنّه اختلط بآخره -كما في التهذيب وغيره- وعمرو بن ثابت السابق الذكر ممن أخذ عنه في الاختلاط؛ لأنه متأخر عنه جدًا، فبين وفاتيهما ثلاثٌ وأربعون سنة.

الثالثة: تتعلق بأبي إسحاق السبيعي أيضًا، فهو إلى حاله السابق مدلّس، وقد عنعنه (عن علي) فلا يطمئن لروايته، خصوصًا وأنه لم يثبت له سماع من علي رضي الله عنه -كما في التهذيب- وإنما رآه فقط، إذ إنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه، فذلك يعني أنه حين مات علي رضي الله عنه كان عمره أقل من سبع سنين.

هذه ثلاث علل لما أظهره فقط من إسناد هذا القول، وكل واحدة منها تكفي لردّ حديثٍ لم يعارضه شيء، فكيف اذا اجتمعت في إسناد واحدٍ لقولٍ خالفه أصح منه وأثبت وأكثر طرقًا؟ لا شك في رده وإبطاله.

ثم رجعت إلى (مستدرك الحاكم) في تفسير هذه الآية لعلي أجد ما ادعاه هذه الموسوي، فلم أجده هناك أبدًا، وليس عند الحاكم في تفسير هذه الآية سوى حديث طلحة رضي الله عنه بأنه ممن قضى نحبه-أي طلحة- وهوالذي رواه غير الحاكم أيضًا كالطبري وابن أبي حاتم وكذا الترمذي. ومما يؤكد عدم وجوده في (المستدرك) أيضًا أنه لم ينقله من المستدرك بل من تفسير (مجمع البيان) الذي أشار إلى الحاكم وذكر الإسناد، و (مجمع البيان) ليس من كتب أهل السنة حتى يحتج بما فيه الموسوي على أهل السنة، بل هو من كتبهم هم لإمامهم أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، ولم يتيسر لي الرجوع إليه وإن كان هذا لا يعنينا؛ فاللازم أن يحتج هذا الموسوي على أهل السنة بما في كتبهم هم كما زعم في مقدمة مراجعاته، وإن كان الاحتجاج حاصل برواية الحاكم فنحن نسأل أين روى ذلك الحاكم؟ فليس هو في مستدركه، وعلى كل حال فالإسناد الذي ساقه كافٍ لردّ الحديث -كما بيناه- إن صح زعمه بإخراج الحاكم لذلك، والله ولي التوفيق.

قوله: (ورجال التسبيح الذين قال الله تعالى:(( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) ) [النور:36-37] ، وبيوتهم هي التي ذكرها الله عزّ وجلّ فقال: (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) ) [النور:36] ) اهـ.

قلت: استشهاده هذا ينبغي له أن يجعله استشهادًا واحدًا لأنها آية واحدة، وهي قوله تعالى: (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) ) [النور:36-37] وفيها أثر واحد وهو ما ذكره في الهامش (38/68) في سبب نزول قوله تعالى: (( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) ) [الجمعة:11] ولا أدري من أين نقله ولم يُشِر هو حتى إلى مصدره، مما يؤكد الريبة فيه خصوصًا، وإن لا تعلق أبدًا بين الحادثة التي جرت يوم الجمعة -كما جاء فيه- وبين قوله تعالى: (( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِم ) ) [النور:36-37] الآية ولا أظنه إلا من تصرفه بالنص.

ولا عبرة بعزوه ذلك إلى مجاهد وابن عباس فإنّه لا شك في كذبه، ألا تراه قد عمّى على مصدره فلم يذكره، وهذه كتب التفسير وأسباب النزول التي تحكي عن ابن عباس ومجاهد خلاف ما قاله، كما سنبينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت