فهرس الكتاب
أما حديث الدارقطني الأول الذي فيه كلام علي رضي الله عنه للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم، وهو حديث طويل، فقد أمكننا معرفة مخرجه وإسناده، إذ ذكره ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة المرفوعة) (1/358-359) وساقه بطوله من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني قال: (كنت على الباب يوم الشورى، فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليًا يقول... وذكره) . وعزاه للعقيلي في الضعفاء من طريق زافر بن سليمان عن رجل الحارث بن محمّد، قال: وشيخ زافر لا يُدرى من هو، وكذا الحارث بن محمّد، قال العقيلي: ورواه محمّد بن حميد الرازي فقال: ثنا زافر، ثنا الحارث بن محمّد، وأسقط الرجل المبهم، وهذا عمل ابن حميد، ولا أصل لهذا الحديث عن علي. اهـ. وقال ابن الجوزي: زافر مطعونٌ فيه، ثم إنه رواه عن مبهم، ولعله الذي وضعه.
ثم الحديث الذي أشار إليه ابن حجر -ونقله الموسوي في هامشه- فقال: معناه ما رواه عنترة عن علي الرضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا علي! أنت قسيم الجنة والنار.. فلم يبين من أخرجه، ولم نجده في أي من الكتب، ونحن نسأل هل يمكن أن يصح ويوجد مثل هذا الإسناد: (علي الرضا عن النبي صلى الله عليه وسلم) ؟ فعلي هذا هو ابن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، من كبار الطبقة العاشرة مات سنة ثلاث ومائتين ولم يكمل الخمسين -كما في ترجمته من التهذيب والتقريب- وعلى هذا يكون قد ولد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمائة وثلاث وأربعين سنة تقريبًا، فهل هذه هي أسانيد الشيعة؟!
بقي الحديث الأخير الذي ذكره ابن حجر-ونقله هذا الموسوي أيضًا- أن أبا بكر قال لعلي رضي الله عنهما: سمعت رسول الله يقول: لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له عليّ الجواز. اهـ.
وقد ذكره ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/366) ، وعزاه للخطيب البغدادي من طريق عمر بن واصل، ونقل قول الخطيب: هذا من عمل القصّاص، وضعه عمر أو وضع عليه اهـ. وعمر بن واصل هذا ذكره الذهبي في (الميزان) وقال: اتهمه الخطيب بالوضع اهـ. فالحديث إذًا موضوع مكذوب، وقد عده من الموضوعات أيضًا كلّ من ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/398) ، والسيوطي في (اللالئ المصنوعة) (1/197) ، والشوكاني في (الفوائد المجموعة) (381) وذكروا له أيضًا ألفاظًا أخرى في معناه كلها موضوعة مكذوبة مردودة، مثل: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ونصب الصراط على جسر جهنم لم يجزه أحدٌ إلا من كان معه براءة بولاية علي) ومثل: (على الصراط عقبة لا يجوزها أحد إلا بجواز من علي بن أبي طالب) فقبّح الله من وضعها!
قوله: (ورجال الصدق الذين قال فيهم:(( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) ) [الأحزاب:23] ) اهـ.
قلت: لا شك في دخول علي رضي الله عنه وأهل البيت في هذه الآية كدخول غيرهم من الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وآخرين، فلفظها عام لا ينبغي لأحد تخصيصه حتى بسبب نزولها، حسب القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فحتى وإن صح ما ادعاه هذا في سبب نزولها لا يمكنه قصرها عليهم دون غيرهم، أقول هذا وأنا لا أشك في عدم صحة ما ادعاه في سبب نزولها، وهذه كتب أسباب النزول ككتاب الواحدي الذي نقل منه الكثير، وكتاب السيوطي، تذكر سببًا غير ما ذكره لهذه الآية، وهو أصح سندًا وأقوى ثبوتًا وعليه اتفاقهم لكنّه حين رأى فيها ما رأى أعرض عنها إلى قصة لا يعرف سندها ولا صحتها.
فقد أخرج الإمام أحمد (3/201) ، والبخاري (4/23) ، ومسلم (3/1512) ، والترمذي (4/162-163) ، وابن جرير (21/144) ، وأبو نعيم في (الحلية) (1/121) ، وابن أبي حاتم وابن مردويه (1) ، والواحدي في (أسباب النزول) (ص:265، 266) (2) سبب نزول هذه الآية، وأنها نزلت في أنس بن النضر -عم أنس بن مالك- رضي الله عنه حين استشهد يوم أحد.
وما نقله في الهامش (36/68) عن ابن حجر من الصواعق المحرقة من قول علي رضي الله عنه فلا يعتبر دليلًا؛ لعدم معرفة مخرجه وإسناده ولا صحته، فنحن لا نحتج بمثل هذا أبدًا، وهو ما نبهنا عليه قريبًا من منهج ابن حجر في كتابه ذاك، وأنه يذكر جميع الأقوال في المسألة، لذا فذكره لها لا يُغني في ميزان الحق شيئًا دون معرفة إسناده وصحته، وهو أمر لا قِبَلَ لهذا الموسوي به والحمد لله. ثم إن الآية حتى وإن ثبت ما قاله فيهما لا دليل فيها إطلاقًا على مطلوبه من إمامة علي، وأهل البيت دون سواهم، فليس فيما سوى وصفهم بالصدق فيما عاهدوا الله عليه، أين هذا من الإمامة؟ أيقتضي وصف إنسان بالصدق في عهده أن يكون إماما على غيره؟ هذا قول تعجزه الأدلة على مطلوبه الفاسد فيتذرّع لذلك بشتى الذرائع، وإن كانت واهية.
(1) تفسير ابن كثير) (3/475) ، (الدر المنثور) (6/586) .
(2) وانظر كذلك (اسباب النزول) للسيوطي (ص:134) .