فهرس الكتاب
ثم إنّ سياق الآية مما يؤيد القول الأول الذي ذكرناه، قال الله تعالى: (( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) ) [الأعراف:46] (( وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ) [الأعراف:47] فهم إذًا لم يدخلوا الجنة بعد، وهم يطمعون في دخولها ويستعيذون بالله من النار، فقط نجتهم حسناتهم من النار وقصرت بهم عن دخول الجنة.. وواضح من سياق الآيات تلك أنّ من هم في الجنة في تلك الساعة، وهم الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى قبل ثلاث آيات من هذه الآية فقال: (( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ) [الأعراف:43] هؤلاء خير وأفضل ممن لم يدخل الجنة بعد وإن كان سيدخلها بإذن الله، فالسبق إلى الجنة دليل على الأفضلية، ألا ترى أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من يُفتَح له بابُ الجنة، كما ثبت ذلك في أحاديث متواترة، وأمته أول الأمم دخولًا؟ فلو صحّ ما ادّعاه من أن عليًا وأهل البيت هم أصحاب الأعراف، وأنهم في تلك الساعة لم يدخلوا الجنة بعد، وقد دخلتها أمم كثيرة، فهو بهذا ينتقص من مرتبتهم ويحطّ من قدرهم -كما أسلفنا- وهذا ما يفعله الجهل بأصحابه.
قال القرطبي (7/136) : (وقال ابن عطية: واللازم من الآية ان على الأعراف رجالًا من أهل الجنة يتأخر دخولهم، وتقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين) اهـ.
وبعد أن قررنا من هم أصحاب الأعراف فيما بينا ثبوته عن الصحابة والتابعين، ورددنا ما سوى ذلك، فهذا أوان الكلام على ما زعمه هذا الموسوي فيما ساقه في الهامش (35/67) فنقول:
أما قول ابن عباس الذي زعمه من تفسير الثعلبي فهو شبه الريح لم يبين مخرجه ولا إسناده ولا موضعه، وأنى له ذلك وهو لم ينقله من نفس التفسير! هذا مع معارضته لما ثبت من قول ابن عباس نفسه فيما أخرجه الطبري والبيهقي وغيرهما، مما أشرنا إليه قبل قليل، ونحن نذكر إسنادًا لما ننسبه إلى ابن عباس لا كما يفعل هذا الموسوي، خصوصًا وقد مر بنا التنبيه على تفسير الثعلبي هذا.
وأما قول علي وقول سلمان الفارسي رضي الله عنهما، اللذان عزاهما للحاكم، فتلفيق واضح لكل من راجع (مستدرك الحاكم) عند تفسير هذه الآية، وهو لا يستحي من مثل هذا، فليس عند الحاكم أي من ذلك ولا شبيهه، لذا تراه لم يذكر موضعًا في ذلك.
بل كل ما عند الحاكم أن روى (2/320) بإسناده عن حذيفة قال: (أصحاب الأعراف قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك، فقال: قوموا ادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم) . قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. فأين هذا مما ادعاه هذا الموسوي؟ أهذه هي أمانته في النقل؟ أبمثل هذا يصبح الرجل إمامًا؟ فمن فعل مثل هذا -وهو كثير- لا يستبعد منه أن يختلق هذه المراجعات من أساسها، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وها هو الحاكم الذي يعول عليه هذا الموسوي وأشباهه كثيرًا، يروي في تفسيره هذه الآية ما يدحض حجتهم ويؤيد ما ذهبنا إليه قبلًا، ولله الحمد والمنة.
ثم باقي ما جاء في هامش هذا الموسوي نقله من الصواعق المحرقة، فليس له فضل فيه.
وقبل: الكلام على ما أورده تفصيلًا أحب أن أذكر بمنهج ابن حجر الهيثمي في صواعقه، فلم يلتزم هو الصحة إطلاقًا ولم يدّع ذلك، بل ربما يضعّف هو نفسه ما يورده هناك، فعلى هذا لا يكفي للإحتجاج بما يورده ابن حجر هناك مجرد ذكره، بل لا بد من معرفة إسناده ومخرجه، ومن ثم ثبوته حتى يصح الاحتجاج به، وهو أمر معدوم هنا بالكلية، مع ما تحقق لنا من كذب تلك الأحاديث التي ساقها ابن حجر هناك ونقلها هذا الموسوي في هذا الهامش، وإليك التفصيل: