فهرس الكتاب
قلت: انظر إلى تقطيعه الآية واستشهاده ببعضها دون بعض؛ فتمام الآية الثانية: (( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) ) [آل عمران:7] وسياقها معلوم.
وما ذكره من استشهاده بهاتين الآيتين لا يدل على مطلوبه، فنحن لا ننكر شمولها لأهل البيت -علمائهم- ولكن أين الدليل على تخصيصها بهم دون غيرهم ولفظها عام؟ والآية الأولى أتبعها الله سبحانه بذكر نعمته على آل إبراهيم فقال: (( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) ) [النساء:54] (( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) ) [النساء:55] فإن كان يدعي أن آل إبراهيم هنا هم أهل البيت فقط نغص عليه ذلك قوله تعالى: (( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ) ) [النساء:55] مما يقتضي شمولها لهم جميعًا، ثم إن آل ابراهيم يشمل حتى اليهود، فما يقول في ذلك؟
لكن هذا الموسوي إنما يستدل على تفسيره هذا بقول جعفر الصادق الذي أخرجه محمّد بن يعقوب الكليني، وقد تقدم بيان حاله وحال كتابه، هذا على فرض إصابة جعفر الصادق في تفسيره هذه الآية، فهم محتاجون في ذلك إلى أمرين: الأول: إثبات صحة ذلك عن جعفر، والثاني: إثبات صحة قول جعفر هذا في نفسه، وأنّى لهم ذلك في كلا الأمرين؟!
ولا يغرّنّك قوله في الهامش (34/67) : (أخرج ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب بسنده الصحيح) فإنّه من الكذب الذي يستحي منه العقلاء، وقد قدمنا في تعقيبنا على كلامه في الهامش (14/63) ما في هذا اللفظ من المبالغة والكذب، وبينا حال الكليني هناك، إضافة إلى التفصيل في ذلك في مقدمة كتابنا فراجع ذلك. ثم إن هذا قول جعفر الصادق، فلا يلزمنا الحجة أبدًا، وهو استدلال بموضع النزاع فلا يصح.
أما قوله في الهامش (33/67) : (كما اعترف به ابن حجر حيث عد هذه الآية..) فهو من المغالطة الشنيعة، إذ كل من قرأ كتاب ابن حجر هذا الصواعق المحرقة؛ علم أن منهجه فيه ذكر جميع الأقوال والأدلة واستقصاؤها، بغض النظر عن صحتها، وانطباقها على المطلوب، ألا تراه يضعف أحيانًا بعض الأدلة التي يذكرها ويردها، مثل تضعيفه لحديث: (أهل بيتي أمان لأمتي...) المتقدم ذكره في الفقرة السابقة، ومثل تضعيفه لقول علي رضي الله عنه: (نحن النجباء...) الوارد في الهامش (15) صفحة (47) من المراجعات، وغيرها كثير، ناهيك عن الأدلة التي لا يذكر إسنادها ولا يتكلم بشيء عن صحتها وثبوتها.
وما سوى ذلك من الآثار عن جعفر الصادق أو محمّد الباقر ليس فيه دليل يلزم به أهل السنة، على فرض ثبوت صحته عنهم، كما قلنا، ولله الحمد.
قوله: (وهم رجال الأعراف الذين قال:(( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًا بِسِيمَاهُمْ ) ) [الأعراف:46] ).
قلت: استدلاله بهذه الآية من أفسد الاستدلالات، ذلك أنه يحط من قدر علي رضي الله عنه وأهل البيت حين يقول: أنهم هم أصحاب الأعراف، فالأعراف جمع عرف وكل مرتفع عن الأرض عند العرف يسمى عرفًا، كما قال ابن جرير (8/127) . وأصحاب الأعراف اختلفت عبارات المفسرين فيهم ومن هم، لكنّها ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فجعلوا هنالك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضله ورحمته إياهم، وقد ورد التصريح بذلك في بعض الأحاديث المرفوعة إلى رسول صلى الله عليه وسلم مثل ما أخرجه ابن جرير (8/128) ، وأبو بكر بن مردويه، وابن أبي حاتم (1) ، والبيهقي في (البعث والنشور) (111) ، من طرق وإن كان في أسانيدها ما فيها لكنها أحسن حالًا مما يستشهد به هذا الموسوي. وقد نص على هذا المعنى في أصحاب الأعراف ابن عباس وحذيفة وابن مسعود وعبد الله بن الحارث بن نوفل ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله أجمعين فيما أخرجه الطبري (8/127-128) ، وابن أبي حاتم (2) ، والبيهقي في البعث والنشور (108، 109، 110، 118، 119، 120) ، وذكر آثارًا أخرى، السيوطي في (الدر المنثور) (3/461-466) .. وهناك أقوال أخرى لكنّها مرجوحة، مثل من قال: انهم ملائكة، أو إنهم أنبياء أو إنهم علماء صالحون أو إنهم من الجن وغير ذلك، لكن الصواب هو القول الأول، وليس هناك ذكر لما زعمه هذا الموسوي أبدًا.
(1) تفسير ابن كثير) (2/216) ، (الدر المنثور) (3/463-465) .
(2) ابن كثير) (2/217) .