فهرس الكتاب
فلا يبقى بعد ذلك أية حجة لهذا الموسوي في هذه الآية، مع أنه حتى لو ثبت ما قال فيها ليس فيها أي دليل على الأفضلية ولا على الإمامة، فما علاقة ارتقائهم في الجنة إلى درجات النبي صلّى الله عليه وسلّم -على زعمه- بتقديمهم في الدنيا على غيرهم؟ ثم إن الآية حتى على تفسيره هو لا تشمل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فليس هو من ذرية النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومعلوم أنه أفضلهم وخيرهم، فإما أن يقال: إن الأئمة بعده -وهم من ذريته- يرتقون يوم القيامة في الجنة إلى درجته هو رضي الله عنه، وبذلك حصرت المسألة في أهل البيت دون غيرهم، فليس في هذا أي دليل على أفضليتهم على من سواهم؛ لأنهم أصبحوا في درجة علي، وأبو بكر وعمر خيرٌ منه، فلا ترفعه الآية فوق درجة أبي بكر وعمر، بل ترفع ذريته إلى درجته. أو يقال في معنى الآية. إن أئمة أهل البيت يرفعون إلى درجة النبي صلّى الله عليه وسلّم -لأنهم من ذريته من ابنته فاطمة- لكنّها لا تشمل عليا رضي الله عنه، ويبقى هو خارجها، وقد قدمنا أنه خيرهم وأفضلهم حتى على قول هذا الموسوي وشيعته، وعلى كلا الوجهين لادليل له في هذه الآية، والحمد لله.
قوله: (وهم ذوو الحق الذي صدع القرآن بإيتائه:(( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ) [الإسراء:26] وذوو الخمس الذي لا تبرأ الذمة إلا بأدائه: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ) [الأنفال:41] وأولوا الفيء: (( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ) [الحشر:7] اهـ.
قلت: ما أفسد احتجاجه بهذه الآيات وما أدله على جهله! فما علاقة الخمس والفيء بالإمامة والتقديم على الناس؟ وهذه الآيات بإمكان المساكين والفقراء واليتامى وأبناء السبيل أن يحتجّوا بها أيضًا على أفضليتهم وعلى أحقيتهم بالإمامة؛ لأن لهم نصيبًا في كل تلك الآيات، فهل يمكن أن يقبل هذا عاقل؟! وماذا يقول هذا الموسوي بعد ذلك؟ فقد قال الله سبحانه وتعالى في الآية الأولى التي ساقها: (( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) ) [الإسراء:26] ومثلها قوله تعالى: (( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) ) [الروم:38] وحق ذوي القربى هو صلتهم، كما فسره غير واحد من المفسرين، وهو ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (1) عن ابن عباس في الآية الأولى قال: (هو أن تصل ذا القرابة وتطعم المسكين وتحسن إلى ابن السبيل) اهـ.
وأما ما روي من أن هذه الآية حين نزلت دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاطمة فأعطاها فدك -التي فتحت مع خيبر- فهو حديث موضوع لا شك في ذلك، فقد رواه البزار (2) من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد، وقد تقدم غير مرة ذكر ضعف عطية هذا، وأنه كان يدلس تدليسًا شنيعًا، وكان يأتي محمّد بن السائب الكلبي، وهو كذاب، فيأخذ عنه الحديث ويكنيه أبا سعيد، يوهم أنه أبو سعيد الخدري وليس هو كذلك، ومما يبين كذب، هذا الحديث أيضًا أن فدك فتحت مع خيبر سنة سبع للهجرة، في حين أن هذه الآية مكية، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ قال ابن كثير: (فهو إذًا حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة، والله أعلم) اهـ.
هذا بالنسبة للآية الأولى، أما الآية الثانية فقد قال الله تعالى: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ) ) [الأنفال:41] الآية، والمذكورون في هذه الآية أكثر من الأولى فما بال اليتامى والمساكين وابن السبيل حتى أخرجهم هذا الموسوي منها؟ والآية الثالثة قال الله تعالى: (( مَاَ أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ) ) [الحشر:7] الآية، فانظر إلى فعل هذ الموسوي، كيف يحرف النّصوص بتقطيعها وأخذه منها ما يظن أنه يؤيّد قوله وتركه لما سوى ذلك، وقد مر بنا من ذلك أمثلة كثيرة من فعله، فأين الدقة والأمانة في النقل التي زعمها له مترجمه في مقدمة كتابه؟ لا والله ليس عنده أمانة في نقل النّصوص حتى مع آيات الكتاب العزيز، أمثل هذا يعد إمامًا يقتدى به ويوثق بقوله؟!
قوله: (وهم أهل البيت المخاطبون بقوله تعالى:(( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ) [الأحزاب:33] اهـ.
(1) الدر المنثور) (5/271) .
(2) تفسير ابن كثير) (3/36) .