فهرس الكتاب
قلت: قد تقدم الكلام على معنى هذه الآية والمقصود منها في كلامنا على ما جاء في (المراجعة-12-) (ص:62) من المراجعات، حيث ذكر هذا الموسوي آية التطهير هذه، وادعى اختصاصها بهم دون غيرهم، وقد بينا هناك بيانًا شافيًا -إن شاء الله- أن المقصودين الحقيقيين بهذه الآية هم نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم، وباقي أهل البيت تبعًا لهم، بحكم عموم اللفظ، وبحكم حديث الكساء، لكن سياق الآيات في سورة الأحزاب ما قبل هذه الآية وما بعدها كذلك كله خاصّ بنساء النبي صلّى الله عليه وسلّم، فهنّ أولى المقصودات بهذه الآية، فراجع الكلام عليه هناك مفصّلًا حتى تتبين أن لا حجّة للشيعة في هذه الآية إطلاقًا، بل هي حجّة عليهم، ولله الحمد. وهم في كلامهم مع أهل السنة لا يحتجون بالحديث، ويدعون إلى الاحتجاج بالقرآن فقط، بدعوى أن الأحاديث منها ما هو مكذوب، فإذا ما وصل الأمر إلى هذه الآية تركوا الاحتجاج بلفظها وسياقها الدال على المراد، إلى الاحتجاج بحديث الكساء وحده، مع أنّ أهل السنة لا ينكرون هذا الحديث، بل يقولون بموجبه مع موجب الآية، فجمعوا بين الأمرين، وهذا من توفيق الله، أما هم فيأخذون الحديث ويتركون دلالة ظاهر الآية لعدم موافقته لمذهبهم الفاسد، وصدق عبد الرحمن بن مهدي حين قال: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الجهل لا يكتبون إلا ما لهم.
قوله: (وآل ياسين الذين حياهم الله في الذكر الحكيم فقال:(( سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) ) [الصافات:130] ) وفي الهامش قال (54/73) : (هذه هي الآية الثالثة من الآيات التي أوردها ابن حجر في الباب(11) من صواعقه، ونقل أن جماعة من المفسرين نقلوا عن ابن عباس القول: بأن المراد بها السّلام على آل محمّد، قال ابن حجر: وكذا قال الكلبي، إلى أن قال: وذكر الفخر الرازي أن أهل بيته يساوونه في خمسة أشياء... إلى آخر كلام الرازي المنقول)اهـ.
قلت: على فرض أن الآية كما فسرها به، وأن قراءتها كما ادعى؛ فإن آل محمّد صلّى الله عليه وسلّم ليسوا هم ذرية عليّ فقط، بل أيضًا ذرية العباس وعقيل وجعفر رضي الله عنهم، ويشمل أيضًا أزواجه صلّى الله عليه وسلّم فهم من آله حتمًا، كما قدمنا بيان ذلك بالتفصيل بالأدلة في الملاحظة الرابعة من خمس ملاحظات تعقيبًا على كلامه في (ص:60) من المراجعات، ونقلناه هناك من عدد من العلماء أيضًا، فعلى هذا تكون هذه الآية شاملة لأزواجه صلّى الله عليه وسلّم ضمن باقي أهله، مع أن هذا لا ينكره أهل السنة من فضل أهل البيت، لكن النزاع في أفضليتهم بذلك على من سواهم. فكيف إذا كانت قراءته للآية خاطئة، وأن الصحيح هو: (( سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) ) [الصافات:130] بدليل السياق قبلها في قصة إلياس عليه السّلام، قال تعالى: (( وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) ) [الصافات:123-132] .
فسياق الآيات كلها قبلها وبعدها في إلياس عليه السّلام، فمن أين يأتي ذكر آل محمّد صلّى الله عليه وسلّم فيه؟! وقوله تعالى عن إلياس: (إِلْ يَاسِينَ) كما يقال في إسماعيل: إسماعين، قال ابن كثير (4/20) : وهي لغة بني أسد، ومثله يقال: ميكال وميكائيل وميكائين، وإبراهيم وإبراهام، وإسرائيل وإسرائين، وطور سيناء وطور سينين. ونظير هذا الكلام قال الإمام ابن القيّم في (جلاء الأفهام) (ص:118) : بأنه من السّلام على النبي إلياس أو على آله، ويكون هو داخلًا فيه، وقال: (ولا سيما عادة العرب في استعمالهم للاسم الأعجمي وتغييرها له، فيقولون مرةً: إلياسين، ومرةً إلياس، ومرةً ياسين، وربما قالوا: ياس، ويكون على إحدى القراءتين قد وقع السّلام عليه، وعلى القراءة الأخرى على آله) اهـ.
قلت: يعني به النبي إلياس لا غيره، وأن الآية تخصه لا تخص أحدًا غيره على كلا القراءتين. وهذه القراءة التي زعمها هذا الموسوي لا تثبت مع انها مروية عن ابن عباس رضي الله عنهما، فقد أخرجها الطبراني في الكبير (11064) ، وفي إسنادها موسى بن عمير القرشي، قال أبو حاتم: ذاهب الحديث كذاب وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الحافظ في التقريب: متروك.